في حضرة الوطن وصوت الجرس: معلمو شرق دارفور يصنعون ملحمة الصمود في إمتحانات الابتدائية
جمعة حراز

في لحظة تمازجت فيها العزيمة بالرسالة، قرع جرس إمتحانات شهادة الابتدائية صباح اليوم السبت الثالث من شهر مايو ٢٠٢٥م بولاية شرق دارفور، ليعلن انطلاق ماراثون علمي وطني، تحدّى واقع الحرب واستنهض همم المعلمين والمعلمات، الذين جسّدوا أروع معاني الوفاء والانتماء، وكتبوا بأقلامهم ومواقفهم سطورًا خالدة في دفتر الوطن.
رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما خلفته الأوضاع من نزوح وتشريد وتعقيدات لوجستية، أصرّ التربويون النجباء في ولاية شرق دارفور على أن “التعليم لن ينتظر”، ولبّوا نداء الوطن في ميادين العلم، حاملين أقلامهم كأدوات مقاومة، وضمائرهم كمنارات أمل لجيل ينتظر غدًا مشرقًا.
لم تكن مجرد امتحانات، بل كانت “ملحمة وطنية” بكل المقاييس، اجتمعت فيها الإرادة الشعبية والرؤية الإدارية المستنيرة، حيث قامت الإدارة المدنية التنفيذية بدور كبير في توفير الدعم السخي وتأمين المراكز وتسهيل العمليات التنظيمية، تأكيدًا على أن التعليم هو الركيزة الأولى لبناء السلام وتنمية الأوطان.
وفي هذا اليوم التاريخي، لم يكن المعلم وحده في الساحة؛ فقد سطّرت المجالس التربوية وأولياء الأمور ورموز المجتمع المحلي أروع مشاهد الدعم والمساندة، ووقفوا كالبنيان المرصوص خلف أبنائهم وبناتهم، حاملين معهم قناعة راسخة أن “السلام يبدأ من الفصل الدراسي، والوطن يُبنى على سطور الدروس”.
نرفع الأكف بالدعاء والتقدير لأولئك الرجال الأوفياء في إحدى محليات الولاية، ترجم رجل البر والإحسان إلى أفعال ملموسة، فتولّا عن طيب خاطر دفع تكاليف العملية التعليمية، من أجور ورواتب وتسيير للمدارس، في مشهد من العطاء والخير والصدقة الجارية. رجل المواقف الوطنية، الذي قدّم من ماله دعماً لأهله، وأثبت أن السند الحقيقي للوطن لا يُقاس بالكلمات، بل بالمواقف والعطاء في زمن الشدة.
لقد أثبت أهل شرق دارفور، قيادةً ومجتمعًا، أن التعليم لا تحدّه الأزمات، وأن دعوة الأطفال إلى الفصول هي أبلغ رسائل وقف الحرب، وهي الصرخة الصادقة التي تقول: “أوقفوا الحرب.. افتحوا المدارس”.
في وجوه التلاميذ والتلميذات، أشرقت ملامح الأمل، وفي وقفة المعلمين والمعلمات عند بوابات المدارس، سُطّرت ملحمة من العزيمة والكرامة الوطنية. هؤلاء الأطفال، ببراءتهم وإصرارهم، هم حملة لواء السلام القادم، والمجتمع الذي يعلّي شأنهم هو مجتمع يراهن على النور في وجه العتمة.
فلتُرفع القبعات لكل من أسهم، وبذل، وآمن، وساند، وتقدّم الصفوف، ولتُكتب في سجل الخالدين أسماء أولئك العظماء الذين أدركوا أن أقصر الطرق إلى السلام هو طريق التعليم، وأن رنين الجرس أصدق من صوت الرصاص.
وفي شرق دارفور، حيث قرع الجرس وسط الركام، كتب التاريخ صفحة جديدة عنوانها:
“نحن شعب لا يساوم على مستقبل أجياله، ولا يتنازل عن حق أبنائه في التعليم مهما اشتد البلاء.


