
لا يظهر السودان في الوعي العام المصري بوصفه دولة مكتملة السيادة والتعقيد، بل كصورة ذهنية ملتبسة، مزيج من القرب والإنكار، من الأخوّة المعلنة والوصاية المكتومة. هذه الصورة، التي يمكن تسميتها بـ«السودان في المتخيل المصري»، ليست بريئة ولا عفوية، بل نتاج تاريخ طويل من علاقات القوة، وخطاب رسمي وإعلامي أعاد إنتاجها جيلاً بعد جيل.
فمنذ القرن التاسع عشر، حين ارتبط السودان إداريًا وسياسيًا بمصر في سياق استعماري، تشكّلت رؤية ترى السودان امتدادًا جنوبيًا، مجالًا حيويًا أو عمقًا استراتيجيًا، لا كيانًا مستقلًا بذاته. ورغم تغيّر الأزمنة والحدود، بقيت هذه الرؤية كامنة في الخطاب المصري، تُستدعى كلما ذُكر السودان في السياسة، في الإعلام، وحتى في الحديث اليومي.
ففي المتخيل الشعبي، يُقدَّم السوداني غالبًا بوصفه «الآخر القريب»: قريب في اللغة والدين، مختلف في اللون واللهجة. هذا القرب لم يُنتج معرفة حقيقية، بل صورًا نمطية متناقضة؛ مرة السوداني الطيب المسالم البسيط، ومرة السوداني المتخلّف أو الهامشي. وفي الحالتين، يُنزَع عنه الفعل السياسي والعقل التاريخي، ويُختزل في صفات أخلاقية أو جسدية، لا في كونه فاعلًا في تاريخه.
الإعلام المصري لعب دورًا مركزيًا في تثبيت هذا المتخيل. فالسودان لا يحضر غالبًا إلا بوصفه ساحة أزمات: حرب، فقر، أو ملفًا أمنيًا مرتبطًا بمصر. وحتى حين اندلعت ثورة ديسمبر، أو حين تفجّرت الحرب الحالية، نادرًا ما قُدِّم السودانيون بوصفهم أصحاب مشروع سياسي، بل كضحايا فوضى أو أطراف صراع غامض.
السؤال الذي يتقدّم دائمًا هو: ماذا يعني ما يحدث في السودان لمصر؟ لا ماذا يعني للسودانيين أنفسهم.وتحت هذا الخطاب، تعمل عنصرية بنيوية صامتة. لا تظهر دائمًا في شكل عداء مباشر، لكنها تتسرّب عبر النكات، والدراما، وطريقة التوصيف. اللون حاضر، حتى حين يُنكر. والسوداني يُرى كثيرًا من خلال جسده لا صوته، ومن خلال معاناته لا أفكاره.
هذه الخلفية الثقافية تؤثر بعمق على مستوى التعاطف والفهم، وعلى استعداد المجتمع المصري للاعتراف بندّية السودان.
أما على مستوى الدولة، فيُختزل السودان في ملفات محددة: مياه النيل، الأمن، الحدود. ويغيب الاعتراف بتعدّد الفاعلين داخل السودان، أو بحقهم في مسار سياسي لا يتطابق بالضرورة مع الرؤية المصرية. هنا يتحوّل المتخيل إلى أداة سياسة، لا مجرد صورة ذهنية، ويُعاد إنتاج منطق الوصاية باسم الاستقرار أو المصالح العليا.
ومع ذلك، بدأت تظهر تشققات في هذا المتخيل، أجيال شابة أكثر انفتاحًا، واحتكاك مباشر باللاجئين السودانيين كشف عمق المأساة وتعقيدها، وأصوات ثقافية تحاول تفكيك خطاب المركزية المصرية. لكنها ما تزال أصواتًا هامشية أمام سردية راسخة.
فتفكيك صورة السودان في المتخيل المصري ليس مهمة أخلاقية فقط، بل ضرورة سياسية وثقافية. يتطلّب ذلك الاعتراف بعدم تكافؤ العلاقة تاريخيًا، والتخلّي عن خطاب الأخوّة العاطفي الذي يخفي الهيمنة، لصالح خطاب الندية والاحترام المتبادل.
ويتطلّب ذلك، قبل كل شيء، الاستماع للسودانيين بوصفهم منتجين للمعنى والتاريخ، لا موضوعًا للشفقة أو الإدارة،وفي النهاية، فإن تغيير صورة السودان في الوعي المصري لا يخدم السودان وحده، بل يحرّر الوعي المصري نفسه من إرث الوصاية والمركزية، ويفتح الباب لعلاقة أكثر صدقًا وعدلًا بين شعبين جمعتهما الجغرافيا، وفرّقتهما الصور الذهنية المختلّة.


