
منذ عقود، ظل الدور السعودي في المنطقة محل جدل واسع بين من يراه نفوذاً سياسياً مشروعاً، ومن يعتبره أحد أبرز عوامل إعادة تشكيل الخرائط العربية عبر بوابات الفوضى والصراعات.
وبين هذين التصورين، تقف تجارب دول عربية عديدة شاهدة على تحولات كارثية ارتبطت بصورة مباشرة بتقاطعات المال السياسي السعودي، والتحالفات الدولية، والصراعات الإقليمية التي لعبت فيها الرياض أدواراً مؤثرة.
في العراق، لم يكن سقوط نظام بغداد مجرد نهاية لنظام سياسي، بل بداية لانهيار دولة كانت تمثل إحدى أعرق الحواضن الحضارية في المنطقة، ومع الفوضى التي أعقبت الغزو الأمريكي، تصاعدت الاتهامات للسعودية، بالمساهمة في تغذية الانقسامات الطائفية وفتح المجال أمام تمدد الجماعات المتطرفة التي التهمت ما تبقى من بنية الدولة العراقية، حتى تحولت مدن كاملة إلى أطلال، وغدا التاريخ العراقي الممتد آلاف السنين مهدداً بالمحو والتشظي.
ثم جاءت سوريا؛ الدولة التي ظلت لعقود تمثل معنى العروبة المفتوحة، والفضاء العربي الذي لم تغلقه التأشيرات ولا الحواجز النفسية بين الشعوب، غير أن الحرب السورية حولت تلك الأرض إلى مسرح دموي لصراعات إقليمية ودولية معقدة، وسط اتهامات أيضاً للسعودية، بدعم جماعات مسلحة تحت ذرائع سياسية واستراتيجية.
وقد ارتبط اسم الأمير بندر بن سلطان في كثير من التحليلات الغربية والعربية بمرحلة إعادة تشكيل السياسة السعودية تجاه الملف السوري، خاصة خلال فترة رئاسته للاستخبارات السعودية، حيث وُصف بأنه أحد أبرز مهندسي التحركات الإقليمية للمملكة وأكثر الشخصيات قرباً من دوائر القرار الأمريكية.
لقد تحولت سوريا، التي كانت يوماً بوابة العرب الجامعة، إلى جغرافيا ممزقة بين المليشيات والخراب والنزوح، فيما دفعت الشعوب العربية الثمن الأكبر لصراعات النفوذ والطموحات السياسية. وبينما كانت الشعارات المعلنة تتحدث عن دعم “الثورات” أو “حماية الأمن القومي العربي”، كانت النتيجة الفعلية انهيار دول، وتفكك مجتمعات، واتساع رقعة التنظيمات المتطرفة التي وجدت في الفوضى بيئة مثالية للنمو.
في السودان، فقد بدا المشهد أكثر تعقيداً، فمنذ اندلاع الحرب، ظهرت السعودية في واجهة الوساطة السياسية عبر منبر جدة، مقدمة نفسها باعتبارها راعية للحوار ومساعي التهدئة، غير أن قطاعات واسعة من السودانيين ظلت تنظر بعين الريبة إلى الدور السعودي، متهمة الرياض بمحاولة التأثير على مسار الحرب بما يخدم مصالحها الإقليمية وتحالفاتها السياسية، عبر أدوات متعددة تشمل المال السياسي، والنفوذ الدبلوماسي.
وحتى النشاط الإنساني الذي يرى منتقدون أنه استُخدم أحياناً كغطاء لتوسيع دوائر التأثير داخل السودان، حيث يرى مراقبون أن حالة الانهيار التي تعيشها البلاد فتحت الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية، حيث أصبحت القوى الإقليمية تتعامل مع السودان باعتباره ساحة نفوذ وميداناً لتصفية الحسابات الجيوسياسية
وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من أن تتحول البلاد إلى نسخة جديدة من التجارب العربية المنكوبة، حيث يبدأ التدخل تحت عناوين الوساطة أو الدعم، ثم ينتهي إلى مزيد من الانقسام والارتهان والفوضى.
إن أخطر ما تواجهه المنطقة اليوم ليس فقط الحروب ذاتها، بل العقلية السياسية و”الصبيانة” للرياض التي تتعامل مع الدول بوصفها ساحات نفوذ ومشاريع هيمنة، لا أوطاناً لشعوب تستحق الاستقرار والكرامة والسيادة.
فحين تختزل السياسة في شراء الولاءات، وتغذية الانقسامات، وإدارة الصراعات من خلف الستار، تصبح النتيجة الحتمية أوطاناً مدمرة، وشعوباً منهكة، ومستقبلاً عربياً يُعاد تشكيله على أنقاض الخراب.


