
غير المأزق الاخلاقي الذي وحلت فيه الحركات المصطفة إلى جانب الجيش، فيما اسماه بمعركة الكرامة المزعومة والخاسرة، وضعت هذه الحركات نفسها، في مأزق سياسي، يهدد بقائها واستمرارها في الفضاء السياسي والعسكري. فمن ناحية، فقدت هذه الحركات شخصيتها كقوى مسلحة مستقلة، وأصحبت مجرد فصيل يتبع للجيش ويأتمر بأمره، مثلها مثل كتائب البراء المنتمية للتيار الاسلامي، والمقاومة الشعبية ..إلخ، على الرغم من استماتتهم في خلق وضعية مستقلة عن الجيش، بطرق متهافتة “مشتركة فوق” الذي لا يتجاوز تأثيره، أكثر من مجرد هتاف مصنوع للمماسكة والدعم المعنوي.
ومن ناحية أخرى، فقد فقدت هذه الحركات وضعيتها كقوى سياسية مدنية، تلك التي يشملها وصف القوى المعنية بخوض العملية السياسية، التي تعقب اتفاق وقف العدائيات، إذا قدر لمفاوضات جنيف، أو أي مفاوضات أخرى أن تنجح. فلا هي مدنية ولا ديمقراطية طبعاً، وحتى لو كانت كذلك، فقد اختارت بطوعها وإرادتها الذوبان في جهة أخرى -حزب القوات المسلحة- أما التحالفات السياسية الهلامية التي بنتها هذه الحركات في السابق، مثل الكتلة الديمقراطية وغيرها، لن تشفع لهم هذه المرة، ولن تغير من حقيقة أنهم أصبحوا مجرد قوة مسلحة صغيرة، داخل تحالف مليشي أكبر، اسمه مكونات حرب الكرامة، هكذا وصفهم الناطق الرسمي للجيش.
الخيار الأفضل حالياً أمام مناوي وجبريل، هو المطالبة بفرق سعر، بسبب الخسارة اللانهائية التي تعرضوا لها، أخلاقياً وسياساً وعسكرياً، وينصرفوا بعدها لفعل شيئ آخر غير السياسة. أو يعلنوا بوضوح عدم اعترافهم بأي اتفاق قد يصل إليه الجيش في جنيف او غيرها، ويستمروا كقوات معارضة مثلما كانوا دائماً، هذا هو الوضع الوحيد الذي يضمن خروجهم من عباءة الحلف المليشي الأكبر، وقطعاً ستكون الحركة الاسلامية حليفتهم في هذا المسار أيضاً، فهي الأخرى قابعة في ذات المأزق.
حتى هذا الخيار الأخير، خيار استمراهم في الحرب بمعزل عن حلفائهم في حرب الكرامة، هو الآخر مهمة شبه مستحيلة، لانتهاء قيمة ورقتهم الرابحة والوحيدة -التهديد بالحرب- التي تجاوزها الحال واستنفدت اغراضها، فالآن لا يوجد من يمكنهم تهديده بالذخيرة والحرب، مثلما كانوا يفعلوا في السابق، والأمر الثاني، هو فقدانهم لأهم تحالفاتهم الاقليمية، التي كانت توفر لهم الدعم السياسي واللوجستي، (تشاد، إثيوبيا، ليبيا، وفي الطريق جنوب السودان).
زائداً فقدانهم للدعم المجتمعي، بسبب اصرارهم ومسؤوليتهم المباشرة، عن فتح جبهة للحرب لم يكونوا في حاجة لها، في مناطق نفوذهم التاريخية. وبهذا تكون قد انتهت حركات فك الحياد إلى اللا شيء -فصح ملح وداب- بعد أن أكملت دورتها في الخراب والتخريب، كل هذا طبعاً إذا لم ينهيهم الواقع العسكري العملياتي اليومي على الأرض، وهو الأقرب للحدوث.



