مقالات واراء

العَوْقَة حين تُدار السياسة… ومبادرات بلا بوصلة

جمعة حراز

حين تتحول العَوْقَة إلى حالةٍ مكتملة الأركان، لا يعود السلام معطَّلًا بفعل الخصوم وحدهم، بل بفعل من يتصدرون المشهد وهم يفتقرون إلى أبسط مقومات الفهم. فالعَوْقَة، كما وصفها وليد مادبو، ليست مجرد سلوك عابر، بل هي حال إنسانٍ ناقص البديهة، محدود الإدراك، يتقدم بثقة نحو ما لا يفهمه.

في هذا السياق، برزت المبادرة التي حملها كامل إدريس، مبادرة قُدِّمت بوصفها جسرًا نحو السلام، لكنها بدت أقرب إلى عبءٍ إضافي على معناه. فكيف لمبادرة أن تُنقذ واقعًا معقّدًا، وهي تُطرح بلا قراءة عميقة، ولا فهمٍ لتوازنات المشهد، ولا إدراكٍ لحساسية اللحظة؟ لقد جاءت كلماتها منمّقة ظاهريًا، خاوية جوهريًا، كأنها صدى لمؤتمر صحفي بلا مضمون.

يسرد الرجل لقاءاتٍ لم تُثمر، ويُقدّم رواياتٍ لا تصمد أمام التمحيص، حتى الأكاذيب بدت مرتجلة، بلا إتقان ولا حذر. وفي ذروة هذا الارتباك، تُوزَّع التحايا في غير مواضعها، وتُقال المجاملات حيث يجب أن يُقال الموقف، في مشهد يكشف غياب الحد الأدنى من الفطنة السياسية.

ثم يأتي الخطاب أمام مجلس الأمن؛ خطابٌ ركيك، بلا رؤية ولا لغة جامعة، يُفترض أن يمثل قضية، فإذا به يختزلها في عبارات مرتبكة، تفتقد المعنى والاتجاه. هنا لا تكون المشكلة في ضعف البلاغة فحسب، بل في غياب الفهم، وفي عَوْقَة تُدار بها لحظة دولية لا تحتمل العبث.

إن أخطر ما في هذه العَوْقَة السياسية أنها تُلبس الفشل ثوب المبادرة، وتُقدّم الارتجال على أنه حل، فتُعقّد السلام بدل أن تُقرّبه، وتُربك المجتمع الدولي بدل أن تُقنعه. فالعالم لا يُدار بالنوايا المعلنة، بل بالعقول القادرة على الفهم، وبالقدرة على التمييز بين المبادرة الحقيقية، والضجيج الذي يُسمّى كذلك.

السلام لا يحتاج إلى أسماء لامعة، ولا إلى منصات عالية، بل إلى وعيٍ عميق، وبديهة حاضرة، وفهمٍ لا تشوبه العَوْقَة. وحين يغيب ذلك، تصبح المبادرات مجرد كلمات، وتتحول المنابر الدولية إلى مسارح للفراغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى