مقالات واراء

العهد الداجاوي … تاريخ حكم الداجو لدارفور وفقا لما أورده الأستاذ إبراهيم إسحاق إبراهيم

بقلم: محمد علي مهلة

لدي اهتمام بمعرفة المجتمعات والشعوب السودانية، كما لدي اعتقاد أن جزءًا من مشاكلنا هو عدم معرفتنا ببعضنا البعض، وما ساهم في تغييب هذه المعرفة هو منظور قراءة التاريخ الرسمي الذي فُرض علينا، ليُقرأ تاريخنا مبتورًا من سياقه أو من داخل الحدود الاستعمارية.
ان الأستاذ إبراهيم إسحاق إبراهيم، في دراسته القيمة عن هجرة الهلاليين من جزيرة العرب إلى شمال إفريقيا وبلاد السودان، في الفصل الخامس، تناول فيه تاريخ حكم الداجو لدارفور، تحت عنوان: العهد الداجاوي، ويورد فيه الكثير من التحليلات للروايات المختلفة والمتباينة التي تتناول أصل الداجو، والأسرة الداجاوية التي تضم ثماني فئات تمتد ديارها من تشاد غربًا إلى شرق كردفان، وتضم قبائل المنقو وداجو دار سلا في تشاد، ومجموعة جبال الداجو بشرق دارفور، وقبيلة البيقو بجنوب شرق دارفور، وقبائل الشات والنقمي والتقلي بكردفان، ومجموعة التقلقول ببحر الغزال. وأن الداجو بدأوا حكمهم بدارفور كدويلة تابعة إلي مملكة علوة المسيحية. وحول تاريخهم العريق، يصل الكاتب إلى الخلاصات التالية والتي سأوردها اقتباسًا بلا إضافة أو تعليق، وأظن أن ذلك هو الأفضل، إليكم النص أدناه.

” … لقد رسخ القول بأن الداجو الدارفوريين جاءوا من الشرق، وربما العكس…، ويرى مكمايكل أن جبل الحرازة بشمال كردفان يمثل مركزاً لانتشار شعب العنج، وهو شعب ظلت الرؤية التاريخية عنه ضبابية ومحكومة بشح في المعلومات وتشير غالبية من الشواهد اللغوية إلى أن العلاقة بين سكان بلاد النوبة في شمال السودان، وسكان جبال شمال كردفان والميدوب بشمال دارفور، وسكان بعض جبال النوبا بجنوب كردفان تتسم كلها بالقرابة. ربما بسبب من هذا الإدراك لاتجاهات انتماء الداجو، رفض ماكمايكل مساواتهم بالتاجوه الزغاوة، الوارد ذكرهم عند الجغرافيين والمؤرخين العرب. ثم يتوافق رأيا مكمايكل وأحدث مؤرخي دارفور ركس أوفاهي (R. Ofahey) على أن الرحالة البريطاني براون كان يخلط بين مزاعم الداجو والتنجر، حينما أشار إلى قدوم الداجو في دارفور، عابرين من تونس . فالروايات التي حكاها الداجو لمكمايكل، أيدت إلى حد بعيد ترجيحات الرحالين بارت الأنجليزي، وناختيقال الألماني والذاهبة إلى قدوم الداجو في دارفور منتقلين من الشرق. وتذهب بعض تلك الروايات الشعبية للقول بأنهم جاءوا من جبل قدير في كردفان . وتتراوح الدلائل اللغوية الأحدث عند روبن ثلوال وآخرين بين رحيل قطاع من الداجو الكردفانيين إلى دارفور أوالعكس . يكتب ابن عبد الظاهر (692هـ / (1292م) بأن علم الدين ستجر أحد قادة السلطان المملوكي سيف الدين قلاوون جهز رسولاً أوفده إلى ملك النوبة بالأبواب وما يخضع له من حكام، وهي مناطق تابعة لمملكة علوة بوسط وادي النيل. وقد أورد كاتب البلاط المملوكي أسماء تلك الممالك التابعة لعلوة فذكر (صاحب بارة) و (صاحب التاكة) و (صاحب الكدروا) و (صاحب دنفوا) ، و (صاحب أرى) و (صاحب بقال) و(صاحب الأنج) و (صاحب كرسة) . وتهمنا هنا بشكل خاص محاولات التعرف على ثلاث من هذه الممالك، وهي دنفوا وأرى والأنج، فبارة والتاكة والكدروا لم تتغير أسماؤها حتى الآن. أما أرى فسنعود لنقاشها حينما نتكلم عن سلطة شعب التنجر بدارفور، ويفترض مصطفى مسعد بأن دنفوا أو ديفو قد تكون تحريفاً للفظ داجو .. وهذا الافتراض، إن صح، يجعل نفوذ مملكة علوة المسيحية النيلية، ممتداً خلال القرن الثالث عشر الميلادي من النيل غرباً إلى شرق دارفور. ويقوى هذا الافتراض أن وصول يد أهل علوة إلى التاكة بشرق السودان والأنج (العنج) في ما بين النيلين وجنوب كردفان، وبارة بوسط كردفان يجعل مسألة وصول نفوذهم ولو إسمياً حتى شرق دارفور مسألة محتملة. وذلك قد يعني نهاية أن الداجو بدأوا حكمهم في دارفور دويلة تابعة لمملكة علوة النيلية المسيحية، ثم إنهم استغلوا الضعف المتوالي على دولة علوة من ضغط العرب المسلمين فنالوا استقلالهم . ويمكن وضع احتمالات معقولة بشأن الترابط بين دولة علوة النيلية وتوابعها بشرق النيل وغربه، إذا ما نظرنا إلى الأنج ودنفوا من منظور واحد. فالدمشقي (739 هـ / 1338م). كان قد روى عن بعض التجار الأسوانيين أن في نوبة السودان طوائف تسمى (أنج) و (أزكر سا) و (التبان) و (أندا) و(كتكا). فأنج وأندا يسكنون بجزيرة عظيمة من جزائر النيل تسمى أندا. وأزكرسا بعيدون عن النيل، والتبان في أرضهم معادن الحديد. وربما اعتمد كل من مصطفى مسعد وركس أوفاهي، على ترجيح مكمايكل السالف، القائل بأن جبل الحرازة بكردفان، كان يمثل مركزاً لشعب العنج، وذلك حينما جعلا بلاد الأنج بعيدة عن النيل خلافاً لما يحدده الدمشقي عن أن الأنج يسكنون بجزيرة على النيل. أما مصطفى مسعد فيعتمد على دي فيلار، وعلى الروايات المحلية؛ ليقول بأن الشعب القديم السابق لدولة الفنج الإسلامية في الجزء الأعلى من النيل وراء ملتقى النيلين، كان يسمى العنج. وهذا يعنى أن أرض الجزيرة الواقعة بين النيلين الأبيض والأزرق، هي المعنية في كلام الدمشقي عن الجزيرة العظيمة.ولان شعب العنج كان واسع الانتشار في الأنحاء الوسطى من سودان وادي النيل، فلا تعارض يراه مصطفى مسعد بين ما يستخلصه من دي فيلار والروايات المحلية من جانب وبين أقوال مكمايكل بأن المركز الرئيسي للأنج كان في جبل الحرازة بشمال كردفان. ثم إن الأثري البريطاني أركل أيضا يوافق كما يرى مصطفى مسعد على أن اسم الأنج، كان يطلق على سكان شمال كردفان الذين سبقوا مجيء الأعراب. إما ركس أوفاهي فيستند إلى نص الدمشقي ليشير إلى العلاقات التجارية للأنج ويضعهم في كردفان بعيداً عن النيل، مع التجار الأسوانيين . فإذا كانت محصلة هذه القراءات هي القبول باحتمال كون الأنج، هم نوبة من شمال كردفان أو نوبا من شرق كردفان رجعنا لإفادة أخرى عند ابن عبد الظاهر ( 692 هـ / 1292م ) يرد فيها ذكر لهؤلاء القوم. ففي عهد سيف الدين قلاوون ذاته جاء من ملك الأبواب التابع لدولة علوة المسيحية خبر بأن بلاد الأنج تغلب عليها ملك غير ملكها، وأنه أي ملك الأبواب. متحيل في أخذها منه، وإذا أخذها صار جميع بلاد السودان في قبضة مولانا السلطان. ويمكن القبول هنا بما يصل إليه مصطفى مسعد من أن الملك المغير على الأنج هو في الغالب ملك الزغاوة، وكان يمد سطوته من كانم بتشاد عبر شمال دارفور، حتى حدود مملكة علوة في كردفان . ولما كنا نقبل باحتمال أن الأنج هم من النوبة – أو النوبا – بشمال کردفان أو شرقها، فإن مثل تلك الحملات الزغاوية، ربما ساعدت على تحرر أمة الداجو بشرق دارفور من سيطرة مملكة علوة المسيحية للضعف الذي كان يعتري دولة علوة، وهي تقع بين صغطين في آن واحد : ضغط من العرب المسلمين المندفعين إليها من الشمال والشرق، وضغط من الزغاوة القادمين إليها من بلاد السودان الأوسط. ثم يرى بلفربول أن المدينة الحجرية المكتشفة في تلال السميات بشرق دارفور يمكن أن تُعزى إلى الداجو . وهذا يساير ما يراه مصطفى مسعد من انتقال فئات من الداجو من تلال السميات إلى سلطنة وداي في تشاد، حيث صاروا يعرفون بالسميار . وهذا يتماشى أيضاً مع اعتقاد مكمايكل بأن منطقة التداخل السلطوي بين الداجو والتنجر، ربما لم يتعد قسماً صغيراً من شرق الحدود الحالية لدارفور ووسطها.

يحدد مكمايكل مناطق استيطان الداجو بكردفان خلال العقدين الأولين من القرن العشرين، بدائرتي الإضية والمجلد، وحول الأبيض عاصمة كردفان، وشمال جبل تقلى بجنوب كردفان. كما توجد في حدود بلاد النوبة بشمال السودان من الجهة الغربية منطقة تسمى حتى الآن جبال الداجو . ولقد أدرجت تحت قائمة المجموعات السكانية المتكلمة بألسن (الأسرة الداجاوية) ثمان فئات تمتد ديارها من تشاد غربا إلى شرق كردفان، وتضم قبائل المنقو وداجو دار سلا في تشاد، ومجموعة جبال الداجو بشرق دارفور، وقبيلة البيقو بجنوب شرق دارفور، وقبائل الشات والنقمي والتقلي بكردفان، ومجموعة التقلقول ببحر الغزال . ويخبر الرواة البقارة الإداري البريطاني هندرسون، بأن الاعراب العطاوة حينما جاءوا من تشاد إلى دارفور وكردفان في القرن الثامن عشر الميلادي، وجدوا قبيلتي الشات والداجو تحتلان الأرض من كفيا قنجي بجنوب دارفور إلى بحيرة أبيض ببحر الغزال، وقد كان ملكهم المدعو دنيقا البيقاوي يحكمهم من مقره، حول مدينة المجلد الحالية بكردفان ويخلص هندرسون من تلك الروايات إلى أن الداجو – البيقو كانوا يمثلون تجمعاً من النوبا، يحصرهم زميله الإداري البريطاني هيلسون تحت اسم المجموعة( ب). وكانت هذه المجموعة كما يرى الإداريان البريطانيان، تشكل حاجزاً عرقياً وثقافياً بين النوبا في جبالهم بكردفان، وبين أمة الفرتيت المنتشرة بأقصى جنوب دارفور وبحر الغزال . يفهم من الرحالة ناختيقال أن الداجو قد حكموا بدارفور لمدة طويلة، في منطقة امتدت من الجنوب الشرقي لجبل مرة حتى السفوح الشرقية منه. وتعترف الروايات المجموعة من بعض عارفي الداجو، بأن ملوكهم الأوائل كانوا وثنيين. وهذا يقترن بنفي ناختيقال لوجود أية روايات تحاول، في عهده أن تجعل للداجو علاقة بالعرب. فلما جاء مكمايكل بعد حوالي نصف قرن سمع من الداجو بأن ملكهم المدعو (عمر كسي فروقي) أي آكل الفروقي دلالة على قهر هذه القبائل، قد طرد الفروقي من منطقة الداجو الحالية بجنوب شرق دارفور، حتى أبعدهم إلى بحر الغزال . كذلك حافظ رواة الداجو وغيرهم من دارفور على هذا القول حتى الحاضر . وتعزو بعض الروايات التي جمعت حديثاً تمزق سلطة الداجو في دارفور، إلى سلسلة من الفتن الداخلية النازلة بهم على عهود سلاطينهم المتأخرين، الشيء الذي أرسل الفرع الأكبر منهم إلى دار سلا في تشاد. وهذا يشرح إلى حد ما ما يذكره ناختيقال عن أن النفوذ السياسي في دارفور، قد انتقل سلمياً من أمة الداجو إلى شعب التنجر . لقد اعتمد كل من مصطفى محمد مسعد وركس أوفاهي، على الأثري آركل في قولهما بأن (أوري) عاصمة التنجر بشمال دارفور، هي ذاتها مملكة أرى التي ذكرها ابن عبد الظاهر، ضمن توابع دولة علوة المسيحية النيلية خلال العصر المملوكي . فلما كان حوالي عام 1580م كتب الجغرافي الإيطالي لونزو دانانيا عن (أورى) هذه، وذكر أن صاحبها يفرض سطوته على عدة ممالك صغيرة تابعة له. وقد ميز المؤرخون المحدثون لدارفور من هذه الممالك الداجو والمساليت والميما والزغاوة. وبيد المؤرخين حالياً وثيقة هامة تحتاج إلى تحقيق، ولعلها جاءت من دور الوثائق القاهرية. فقد وكل المدعو السلطان شاو التنجراوي شخصاً يدعى فخر الدين عثمان بن الشيخ نور الدين علي المغربي المالكي أن يوقف من أملاك السلطان شاو التنجراوي، التي في المدينة المنورة أماكن ونخيلا وبساتين، وقد سجلت وثيقة هذا الوقف في القاهرة عام 983هـ / 1575م . ولا تفوت المقارنة عندئذ بين معلومات لونز و دانانيا، وبين هذا الوقف القاهري إذ لا يفصل بينهما إلا خمس سنوات. وهكذا نستطيع أن نضع الحدود الزمنية الموثقة تاريخياً لهيمنة الداجو على دارفور بين عهد ابن عبد الظاهر 692هـ / 1292م)، وبين عصر دانانيا الإيطالي، وتلك الوثيقة الوقفية القاهرية (983هـ / 1575م). بالمؤشرات السالفة يخرج العهد الداجاوي تماماً من منطقة احتمالات التأثر الفعال، خلال عهد تسلطهم السياسي بالهجرات العربية إلى دارفور. ونستطيع أن نخمن هنا بأن طلائع الأعراب الذين تحدث القلقشندي عن ظهورهم في شمال شرق تشاد عام 794هـ / 1392م، لم يدركوا الانهيار الداخلي لنفوذ الداجو في شرق دارفور، مهما كانت سرعتهم في الانسياح جنوباً. ويمنحنا التراث الشفهي المجموع حالياً من دارفور سنداً قويا لهذه الرؤية. فغالبية الرواة المتحدثين عن السلطة التي تعامل معها الأعراب عند قدومهم إلى الإقليم، ذكروا التنجر دون سواهم . وهذا يعني أن الداجو كانوا قد زال نفوذهم السياسي من خريطة الإقليم، في زمن يسبق كثيراً توغل الأعراب بشكل لافت إلى دارفور.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى