مقالات واراء

الضعين: حكاية السودان المكنونة في الشرق الجنوبي لدارفور

عبدالله حسن عبدالمجيد _ يكتب

عندما تتعرض مدينة لتشويه التاريخ، تصبح شوارعها حاضنةً لقصص غير مروية، تنتظر من يكتشفها. — شوارع الفوضى، باولو كويلو.

في الجنوب الشرقي من دارفور، تنبض مدينة الضعين بجوهرٍ يتجاوز حدود المكان. إنها ليست مجرد مدينة، بل ملحمةٌ تتجدد يوميًا، تختزل في أريافها وبواديها قصصًا من العراقة، التسامح، والتنوع. هنا تتعانق الثقافات بإرثها العميق، وتتجسد الحكايات في مشهدٍ حي لموزاييك سوداني يروي عظمة التاريخ المتشابك.

ورغم ما يُشاع عنها بأنها مدينة منغلقة، حاضنة للرزيقات فقط، تبقى هذه الاتهامات محاولات بائسة لتشويه أصالة أهلها، الذين عُرفوا بكرمهم وتآخيهم. رجالها ونساؤها، بحكمتهم وأصالتهم، حملوا عبء الحفاظ على نسيج اجتماعي متنوع، متحدّين بذلك التحديات التي أفرزتها الانقسامات في مدن أخرى، حيث أظهرت الحرب حقيقتها بتنكيلها بغير المنتمين لها عرقيًا.

في الضعين، يعتز الرزيقات بإرثهم، فهم “الحَديبة ظهر الثور”، لكنهم يحملون أصالة دارفور وعمق السودان في قلوبهم، فكانت مدينتهم نموذجًا فريدًا للتوازن والتعايش، تختزل في طياتها قصص دارفور بأسرها. أما اقتصادها، فيمثل صورة مصغرة للسودان الكبير، بثرائه الزراعي والحيواني، واحتضانها لسوق كبير يربط الشمال بالوسط، والجزيرة بالشرق، في لوحة تروي قصة وحدة شعب.

تتجلى في الضعين سمات التنوع العرقي والثقافي؛ حيث تمتد علاقتها بالمناطق المجاورة مثل برام وجنوب السودان، في احترامٍ لروح الجوار التي جمعت شعوبًا عدة. وتشهد المدينة على العلاقات التاريخية بين الرزيقات ودينكا نقوك، في نموذجٍ للتعايش الذي رسمته سنوات من التداخل الثقافي والاجتماعي. هنا يجتمع سهل الشمال بغابة الجنوب، ويجسد الترحال والتداخلات الاجتماعية لوحةً بديعة لعلاقة الأرض بالإنسان.

في السوق الكبير، تجد دكان الناظر، معلمًا ثابتًا وسط الحراك اليومي. وفي ليالي سوق البروش، حيث ونسات الأصحاب وتنبعث رائحة القهوة من قهاوي الدليبة، تجد مساحات للقاء الأصدقاء وتبادل النقاشات. أما في أمسيات محطة السكة حديد، فتتجلى معالم الضعين كحلقة وصل بين شمالها وجنوبها.

تشكّل جامعة الضعين نسيجًا آخر يجمع أبناء السودان من كل حدب وصوب، ويمثل تنوعها الطلابي صورةً مصغرة للوحدة الوطنية. في الحرم الجامعي، تمتزج الأنشطة الرياضية والثقافية في أمسيات لا تغيب عنها الروح السودانية، في لقاءاتٍ شبابية تثري المجتمع بروحٍ من الإبداع والتلاحم. الحياة الثقافية والرياضية فيها نابضة، حيث تجد المسابقات والفعاليات الثقافية تملأ المكان، مانحةً للضعين وجهًا منيرًا بالحيوية والانفتاح.

وفي أماسي الضعين، ينير مسيد الشيخ صباح الخير بريقه الفريد، إذ تجتمع حلقات الذكر في مشهدٍ يغمره الصفاء الروحي، يرتفع فيه صوت التهليل والتكبير، وتتلاقى القلوب في حب الله وذكراه. هنا، تستعيد المدينة إيقاعها، وكأنَّهم يوقدون شعلة الإيمان في قلبها، لتحمل معها نفحات من النقاء والتأمل.

في موسم الأفراح، يكتسي يوم الجمعة ببهجةٍ خاصة، إذ تتجمع عائلات المدينة وأهلها، يتنقلون بين المناسبات كأنهم خيط واحد منسوج بقوة التلاحم. من كل حيّ إلى آخر، “ابشر يا عريس، يدك فوق”، وتعلو الزغاريد في مشهد يوحّد القلوب. حتى في معسكر النيم للنازحين، تجد أهله قد اندمجوا مع مجتمع الضعين، ليصبحوا جزءًا لا يتجزأ من نسيج المدينة، يشاركونها أفراحها وأتراحها، في وحدةٍ تستوعب الجميع، وتعيد بناء الروابط بعمق وحميمية.

وفي ليالي الخريف، حين يضيء البرق، وتملأ أصوات الرعد السماء، تتجسد عظمة الطبيعة، وتظهر العلاقة الراسخة بين الأرض وأهلها. تبقى الضعين شاهدةً صادقةً على تراث متجذر في أعماق التاريخ، تتجاوز الاتهامات بأنها مدينة مغلقة أو حاضنة للعنف، لتثبت أنها، في حقيقتها، سودان مصغر يحتضن الجميع، ويمد يد الترحيب لكل من يدخلها.

الضعين ليست مجرد حاضرة للرزيقات، بل هي رمز وطني يروي قصة السودان بعراقة وأصالة، وتشع منها روح التعايش، في ظلّ حربٍ كشفت زيف مدنٍ ادعت الوطنية، بينما تجسد الضعين بروحها وناسها نموذجًا أصيلًا للتسامح واحتضان الجميع. إنها تتيح فرصة حياة لمن دخلها، ومن عاش بها وعرف أهلها، نادرًا ما يستطيع الفراق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى