مقالات واراء

السودان بين انتصار الجيش واستعادة الدولة الحوثيون وإيران وأمن البحر الأحمر وأين تقف القوى المدنية الديمقراطية؟

سيف حمدون

لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع داخلي على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع، فقد أخذت منذ اندلاعها منحى إقليميًا ودوليًا متزايدًا، جعل مستقبل السودان مرتبطًا، بصورة أو بأخرى، بحسابات القوى المحيطة به ومصالحها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ومع اتساع نطاق التدخلات الخارجية وتعدد خطوط الإمداد والتحالفات، أصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد تحديد الطرف الذي يمكن أن ينتصر عسكريًا. فالسؤال الأهم هو: أي سودان سيخرج من هذه الحرب؟ ومن سيحكمه؟ وبأي شرعية؟ وهل يمكن لانتصار السلاح أن يتحول إلى استقرار سياسي دائم؟

الحوثيون وإيران.. تمدد محتمل نحو السودان

تكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية في ضوء التقارير الأخيرة التي تحدثت عن مساعٍ حوثية لبناء شبكات نفوذ في أفريقيا، وعن اتصالات وتعاون محتمل مع جهات داخل السودان.

ويشير تقرير حديث لمؤسسة Century International إلى أن الحوثيين يسعون إلى التحول من مجرد ذراع إقليمية لإيران في اليمن إلى عقدة جديدة ضمن منظومة النفوذ الإيرانية في أفريقيا، مع امتداد محتمل نحو الصومال والسودان والقرن الأفريقي.

ويتحدث التقرير عن نقل أسلحة وتعاون لوجستي بين الحوثيين وبعض الأطراف السودانية المرتبطة بالجيش، إلا أنه، في الوقت نفسه، يؤكد أن الأدلة المتاحة لا تثبت بصورة قاطعة وجود بنية عسكرية حوثية مستقرة في بورتسودان.

هذه المعلومة الأخيرة، بالذات، تستحق قدرًا كبيرًا من الحذر؛ لأن الخلط بين وجود قنوات اتصال أو عمليات نقل أسلحة وبين تحول بورتسودان إلى قاعدة حوثية قد يقود إلى استنتاجات سياسية وأمنية مبالغ فيها.

لكن مجرد احتمال نشوء مثل هذه الشبكات يكفي لإثارة قلق بالغ لدى الدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ومصر، وكذلك الولايات المتحدة وإسرائيل.

السعودية.. الجيش أم استقرار الدولة؟

فالرهان السعودي في السودان لا يبدو قائمًا على دعم الجيش من أجل تحقيق انتصار عسكري مجرد، بقدر ما يرتبط بالحفاظ على دولة سودانية موحدة، قادرة على ضبط ساحلها على البحر الأحمر ومنع تحول أراضيها وموانئها إلى مساحة مفتوحة أمام إيران أو الحوثيين أو أي قوى مسلحة أخرى.

ولذلك، فإن ظهور مؤشرات على صلات بين عناصر داخل المنظومة العسكرية السودانية وشبكات إيرانية أو حوثية لا يعني بالضرورة أن الرياض ستتخلى عن الجيش، بل قد يدفعها إلى ممارسة مزيد من الضغط عليه لفصل مؤسسات الدولة عن تلك الشبكات.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فالقوى الإقليمية والدولية التي تنظر إلى الجيش باعتباره الطرف الأقدر حاليًا على الحفاظ على مؤسسات الدولة والسيطرة على الساحل السوداني، قد تجد نفسها مضطرة إلى دعمه، وفي الوقت نفسه مطالبة بإعادة تشكيل البيئة السياسية والعسكرية التي يعمل داخلها.

فالمطلوب ليس مجرد جيش منتصر، وإنما جيش وطني لا يصبح جزءًا من محور إقليمي، ولا تتحول بعض مكوناته أو حلفائه السياسيين إلى قنوات دائمة لنفوذ خارجي.

مصر.. الرهان على بقاء الدولة

أما مصر، فحساباتها أكثر التصاقًا بمفهوم الدولة السودانية نفسها.

فاستقرار السودان ووحدته يرتبطان مباشرة بالأمن القومي المصري، وبالحدود الجنوبية، وبقضية مياه النيل، فضلًا عن أمن البحر الأحمر.

ومن ثم، فإن القاهرة لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية فحسب، وإنما باعتبارها خطرًا محتملًا على بنية الدولة السودانية ووحدتها الإقليمية.

ولذلك، يبدو دعمها لمؤسسات الدولة والجيش أقرب إلى الرهان على بقاء الدولة منه إلى تأييد غير مشروط لأي صيغة سياسية أو عسكرية.

واشنطن وخطر النفوذ الإيراني

أما واشنطن، فمن المرجح أن تكون أكثر حساسية تجاه أي ارتباط مباشر بين شبكات سودانية وإيران أو الحوثيين، خصوصًا في ظل المواجهة الإقليمية المتصاعدة مع إيران.

غير أن استهداف بورتسودان أو التعامل مع الحكومة القائمة هناك باعتبارها امتدادًا إيرانيًا سيكون خيارًا عالي المخاطر.

فالضغط المباشر على مركز السلطة في شرق السودان قد يؤدي إلى مزيد من تفكك الدولة، ويخلق فراغًا أمنيًا على البحر الأحمر، وربما يدفع بعض القوى السودانية إلى الارتماء بصورة أعمق في أحضان طهران.

ولذلك، تبدو العقوبات المحددة، وملاحقة شبكات التمويل والإمداد، والضغط الدبلوماسي والاستخباري، أكثر اتساقًا مع المصالح الغربية من توجيه ضربة مباشرة إلى بورتسودان.

أين تقف القوى المدنية الديمقراطية؟

لكن، وسط كل هذه الحسابات الجيوسياسية، يبرز سؤال سوداني أكثر جوهرية:

أين تقف القوى المدنية الديمقراطية التي تطالب بإنهاء الحرب، واستعادة المسار المدني، وبناء جيش وطني مهني واحد؟

إن اختزال مستقبل السودان في معادلة الجيش مقابل الدعم السريع، أو في سؤال من ينتصر عسكريًا، يتجاهل أحد أهم دروس الأزمة السودانية.

فالاستقرار العسكري ليس بالضرورة استقرارًا سياسيًا، والسيطرة على العاصمة أو الموانئ لا تعني تلقائيًا استعادة الدولة لشرعيتها.

يمكن للجيش أن ينتصر في الميدان، لكن الدولة تحتاج بعد ذلك إلى شرعية سياسية، ومؤسسات مدنية قادرة على إدارة المجتمع، وإلى إصلاح حقيقي للقطاع الأمني والعسكري يمنع تكرار تجربة الجيوش المتعددة والقوى المسلحة التي تتنافس على الدولة بدلًا من أن تخضع لها.

وهنا لا ينبغي النظر إلى القوى المدنية الديمقراطية باعتبارها نقيضًا للجيش أو مشروعًا لتفكيكه. جوهر المسألة هو العكس تمامًا.

السودان يحتاج إلى جيش قوي، لكن جيشًا مهنيًا موحدًا يخضع للسلطة المدنية الدستورية، لا إلى مؤسسة عسكرية تنافس الدولة على القرار السياسي.

كما يحتاج إلى إنهاء وجود أي قوة عسكرية مستقلة خارج الدولة، سواء كانت الدعم السريع أو غيرها؛ لأن الدولة التي تتعدد فيها مراكز القوة المسلحة تظل معرضة لإعادة إنتاج الحرب، مهما تغيرت أسماء الأطراف.

الاستقرار الجيوسياسي أم الاستقرار الوطني؟

من هنا، يصبح الفرق واضحًا بين الاستقرار الجيوسياسي والاستقرار الوطني.

قد يكون بقاء بورتسودان آمنًا وتأمين الملاحة في البحر الأحمر هدفًا كافيًا لبعض القوى الدولية في المدى القصير، لكن السودان لا يستطيع أن يعيش طويلًا على استقرار ميناء بينما تبقى أزمته السياسية بلا حل.

فاستقرار البحر الأحمر قد يتطلب دولة سودانية قوية، لكن الدولة السودانية القوية تحتاج، بدورها، إلى شرعية سياسية ومؤسسات مدنية، حتى لا يتحول الاستقرار الأمني إلى مجرد هدنة مؤقتة بين قوى مسلحة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام السياسي القديم في صورة جديدة، أو أن يصبح الانتصار العسكري مبررًا لتأجيل الانتقال المدني إلى أجل غير معلوم.

فمثل هذا السيناريو قد يحقق قدرًا من الهدوء الأمني، لكنه لن يعالج الأسباب البنيوية التي قادت السودان إلى الحرب.

أي سودان بعد الحرب؟

السودان يحتاج، في نهاية المطاف، إلى معادلة أكثر توازنًا: دولة مدنية ديمقراطية، وجيش وطني مهني واحد، ومؤسسات أمنية خاضعة للقانون، وسلام شامل، وسياسة خارجية تحفظ مصالح السودان دون تحويله إلى ساحة نفوذ لأي محور إقليمي.

فالجيش يستطيع أن يحسم معركة، وربما يستطيع أن يستعيد مؤسسات الدولة، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الشرعية السياسية.

والقوى المدنية تستطيع أن تمنح الدولة شرعيتها، لكنها لا تستطيع بناء دولة مستقرة من دون مؤسسة عسكرية وطنية محترفة.

أما القوى الإقليمية والدولية، مهما كانت مصالحها في البحر الأحمر، فلن تستطيع أن تضمن استقرار السودان إلى الأبد إذا بقيت أزمته الداخلية بلا تسوية سياسية حقيقية.

الاستقرار الحقيقي ليس أن يصبح طرف واحد أقوى من جميع الأطراف، ولا أن يبقى البحر الأحمر هادئًا حول بورتسودان فحسب.

الاستقرار الحقيقي هو أن يستعيد السودان دولته، وأن يصبح الجيش جيشًا للوطن لا طرفًا في السياسة، وأن تستعيد القوى المدنية دورها، وأن تصبح الحرب مرة أخرى غير ضرورية لحسم الخلاف السياسي في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى