مقالات واراء

السودان بعد ثلاثة أعوام من الحرب _ حين تبدأ فكرة الوطن في التآكل

ادم مكرم

بعد ثلاثة أعوام من إندلاع الحرب في السودان ، التي بدأت شرارتها في 15 ابريل 2023م، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا هو متى ستنتهي المعارك بل السؤال الأكثر خطورة اليوم هوأيّ سودان سيخرج من هذه الحرب عندما تتوقف البنادق؟

فالحروب الطويلة نادرًا ما تدمر الدول دفعة واحدة، بل تفعل ذلك ببطء. تبدأ بتقويض المؤسسات، ثم تستنزف المجتمع، وفي النهاية تضرب الفكرة التي تقوم عليها الدولة نفسها فكرة الوطن المشترك، ويبدو أن السودان قد دخل بالفعل هذه المرحلة.

ما بدأ قبل ثلاثة أعوام كصراع مسلح بين قوتين عسكريتين تحول تدريجيًا إلى أزمة أعمق بكثير أزمة بنيوية في الدولة السودانية وفي الأسس الاجتماعية والسياسية التي قامت عليها،خلال هذه السنوات، كان الدمار الأكثر وضوحًا هو الدمار المادي مدن مدمرة، وبنية تحتية منهارة، وإحدى أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. لكن خلف هذا المشهد المرئي يتشكل انهيار أكثر عمقًا وأقل وضوحًا — انهيار مؤسسات الدولة وتراجع القوى المدنية التي كانت تمثل، في مراحل مختلفة من التاريخ السوداني، أحد عناصر التوازن في الحياة السياسية.

فالأحزاب السياسية التي كان يُفترض أن تقدم مشروعًا وطنيًا جامعًا وجدت نفسها أسيرة الانقسامات والصراعات الداخلية، بينما وجد المجتمع المدني نفسه عاجزًا عن أداء دوره التقليدي في ظل اتساع رقعة الحرب وانكماش المجال العام.

غير أن التطور الأكثر إثارة للقلق كان الأزمة التي طالت النخب نفسها، فعادة ما تلعب النخب الفكرية والثقافية دورًا حاسمًا في أوقات الأزمات الكبرى، إذ تُسهم في الدفاع عن فكرة الوطن عندما تتعرض للتهديد. لكن الحرب في السودان كشفت انقسامات عميقة حتى داخل هذه الدوائر. فقد انجرف بعض الأصوات التي كانت تدافع عن الوحدة الوطنية إلى خطاب تعبوي يستند إلى الانتماء الجغرافي أو الإثني بدلًا من الهوية الوطنية الجامعة ،وهذا التحول يحمل آثارًا بعيدة المدى.

فعندما تتراجع المؤسسات السياسية وتتصّدع مؤسسات الوعي، تبدأ اللغة التي يتحدث بها المجتمع عن نفسه في التغير. وتصبح الهويات المحلية — الجغرافية أو القبلية — الإطار الأساسي لفهم السياسة بدلًا من الهوية الوطنية.

هذا التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها، لكنه عندما يبدأ يصبح من الصعب إيقافه واليوم يبدو السودان في خضم هذه العملية. فمع تراجع الثقة في الدولة المركزية، بدأت الانتماءات المحلية تكتسب وزنًا سياسيًا متزايدًا في النقاش العام. وفي مثل هذا المناخ، تدخل أفكار كانت تبدو حتى وقت قريب هامشية إلى المجال السياسي، بما في ذلك سيناريوهات الانفصال أو إعادة تشكيل الدولة على أسس جهوية.

إن الحرب لم تعد تدور فقط حول من يحكم السودان، بل حول ما هو السودان نفسه.

يزداد هذا الوضع تعقيدًا بسبب التحولات في البيئة الدولية. فعندما اندلع الصراع، حظي باهتمام دولي واسع، وتعددت المبادرات الدبلوماسية الساعية إلى وقفه. لكن مع مرور الوقت تغيرت أولويات النظام الدولي.

فالتصعيد المتزايد في الشرق الأوسط — خصوصًا التوترات بين ايران واسرائيل في ظل انخراط استراتيجي من الولايات المتحدة الامريكية ، استحوذ على قدر كبير من الاهتمام الدبلوماسي والإعلامي العالمي.

ونتيجة لذلك، تراجع حضور الأزمة السودانية تدريجيًا في أجندة السياسة الدولية، رغم أن تداعياتها الإنسانية والسياسية ما تزال تتفاقم.

غير أن التعويل على الخارج لإنهاء الحرب كان دائمًا رهانًا غير مضمون. فالتجارب الدولية تشير إلى أن الضغوط والوساطات الخارجية قد تساعد في فتح الطريق نحو التسويات، لكنها نادرًا ما تستطيع فرض سلام مستدام دون إرادة داخلية حقيقية.

وهنا يكمن التحدي الأكبر.

إن إنهاء الحرب في السودان لن يكون مجرد مسألة اتفاق عسكري أو وقف لإطلاق النار. فالدولة التي ستخرج من هذه الحرب لن تكون قادرة على الاستمرار ما لم يُعاد التفكير في الأسس التي يقوم عليها النظام السياسي نفسه.

ويتطلب ذلك إعادة صياغة العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الدولة والمجتمع: كيفية إدارة التعددية، توزيع السلطة والثروة، وبناء مؤسسات قادرة على تمثيل مختلف مكونات المجتمع دون أن تتحول إلى أدوات للصراع.

لكن تحقيق ذلك لن يكون سهلًا، فالحروب الأهلية الطويلة لا تترك وراءها مدنًا مدمرة فحسب، بل تترك أيضًا مجتمعات مثقلة بالذاكرة المؤلمة وانعدام الثقة. وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع غالبًا ما تكون أصعب من إعادة بناء البنية التحتية.

ومع ذلك، فإن البديل عن هذه العملية أكثر خطورة بكثير، فاستمرار الحرب لا يعني فقط تعميق الكارثة الإنسانية، بل يفتح الباب أمام مسار تدريجي لتفكك الدولة نفسها، خاصة إذا استمرت الخطابات الجهوية والإثنية في اكتساب شرعية سياسية متزايدة.

لقد شهد العالم في العقود الأخيرة تجارب عديدة لدول دخلت في حروب داخلية طويلة ثم خرجت منها دولًا أضعف وأكثر انقسامًا، ويقف السودان اليوم على حافة تجربة مشابهة.

لكن التاريخ لا يسير دائمًا في اتجاه واحد. فكثيرًا ما تتحول اللحظات الأكثر قسوة في تاريخ الأمم إلى لحظات مراجعة عميقة تعيد فيها المجتمعات التفكير في مستقبلها.

وقد يكون السودان اليوم أمام لحظة من هذا النوع: لحظة قاسية، لكنها قد تفتح الطريق نحو إعادة بناء الدولة على أسس أكثر عدلًا واستقرارًا، غير أن مثل هذا التحول لا يحدث تلقائيًا. فالدول لا تُنقذها الصدفة، بل الإرادة السياسية والخيال السياسي القادر على تصور مستقبل يتجاوز منطق الحرب.بعد ثلاثة أعوام من حرب 15 أبريل، لم يعد السؤال الحاسم من سينتصر في ساحة المعركة؟ بل السؤال الحقيقي هو ما إذا كان السودان عندما تتوقف الحرب أخيرًا سيظل دولة موحدة، أم أن هذه الحرب ستُذكر في التاريخ باعتبارها اللحظة التي بدأت فيها فكرة الوطن السوداني نفسها في التفكك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى