الزراعة السودانية بين الحرب وإعادة البناء (1)
الإصلاح الزراعي في ظل غياب الدولة الموحدة في السودان: هل يمكن إنقاذ سلة غذاء إفريقيا..؟

لطالما إرتبط أسم السودان بعبارة “سلة غذاء إفريقيا والعالم العربي” ، لما يمتلكه من مساحات زراعية شاسعة وموارد مائية متنوعة، وثروة حيوانية ضخمة، وموقع جغرافي يربط بين شرق القارة ووسطها وشمالها. إلا أن الحرب التي أندلعت في أبريل 2023 لم تقتصر آثارها على الجوانب السياسية والأمنية، بل أصابت قلب الإقتصاد السوداني، وهو القطاع الزراعي، الذي يمثل مصدر دخل ومعيشة لملايين المواطنين.
لا تكمن الأزمة الزراعية في السودان في تراجع الإنتاج وحده، بل في غياب الدولة القادرة على التخطيط والإدارة وحماية الموارد. فالسياسات الزراعية لا يمكن أن تحقق أهدافها في ظل إنقسام المؤسسات وتعطل أجهزة الدولة، وإنهيار البنية التحتية، وصعوبة وصول المزارعين إلى التمويل والمدخلات والأسواق.
يمتلك السودان ما يقارب (73.5) مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، وهي من أكبر المساحات في إفريقيا، لكن نسبة كبيرة منها لا تُستغل بصورة منتظمة بسبب تحديات هيكلية قديمة تفاقمت مع الحرب. كما يعتمد جزء كبير من السكان على الزراعة والرعي في كسب رزقهم، مما يجعل أي تراجع في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والإستقرار الإجتماعي.
وخلال العامين الماضيين، تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية للتوقف عن الإنتاج بسبب النزوح، وإنعدام الأمن، وإرتفاع أسعار الوقود والأسمدة والبذور، وتضرر البنية التحتية، وصعوبة نقل المنتجات بين مناطق الإنتاج والأسواق. وفي الوقت نفسه، تعطلت مشاريع ري رئيسية، وتراجعت الخدمات الزراعية والإرشادية، بينما أصبح الحصول على التمويل الزراعي أكثر صعوبة.
وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن إنتاج الحبوب شهد تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة، في وقت إرتفعت فيه إحتياجات السكان للمساعدات الغذائية نتيجة النزاع والنزوح الواسع. كما أدى تعطل الأسواق وسلاسل الإمداد إلى زيادة أسعار الغذاء وتقليص قدرة الأسر على الحصول على إحتياجاتها الأساسية.
لكن الأزمة الحالية ليست وليدة الحرب وحدها فقد ظل القطاع الزراعي لعقود يعاني من ضعف الإستثمار، وتراجع البحث العلمي، وتقادم شبكات الري، وعدم إستقرار السياسات الزراعية، وضعف الصناعات التحويلية، وغياب نظم حديثة للتسويق والتخزين، ومن ثم جاءت الحرب لتضاعف هذه المشكلات وتكشف هشاشة البنية المؤسسية التي يعتمد عليها القطاع.
ورغم هذا الواقع، فإن الزراعة قد تكون أحد أهم مفاتيح التعافي الإقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب، فالعديد من الدول الخارجة من النزاعات، مثل رواندا، أعادت بناء إقتصادها من خلال الإستثمار في الزراعة، وتحسين الإنتاجية، وإصلاح مؤسسات إدارة الأراضي، وتوسيع الخدمات المقدمة للمزارعين. ولا يعني ذلك أن التجارب قابلة للنقل حرفيًا، لكنه يوضح أن القطاع الزراعي يمكن أن يكون نقطة إنطلاق لإعادة الإعمار إذا توافرت الإرادة السياسية والمؤسسات الفاعلة.
إن الإصلاح الزراعي في السودان ينبغي ألا يُفهم بوصفه توزيعًا للأراضي فحسب، بل بإعتباره مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء المؤسسات الزراعية، وتطوير نظم الري، ودعم صغار المنتجين، وتحسين خدمات التمويل والإرشاد الزراعي، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد، وتهيئة بيئة جاذبة للإستثمار المسؤول الذي يحقق منفعة للمجتمعات المحلية ويحافظ على الموارد الطبيعية.
كما يتطلب الإصلاح معالجة قضايا ملكية الأراضي والنزاعات المرتبطة بها عبر أطر قانونية عادلة وشفافة، بما يضمن حقوق المجتمعات المحلية ويعزز الاستقرار اللازم للإنتاج والإستثمار.
إن مستقبل السودان لن يتحدد فقط بنتائج المفاوضات السياسية أو الترتيبات الأمنية، بل بقدرته على إستعادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي. فالبلد الذي يمتلك هذه الموارد الطبيعية الهائلة يستطيع أن يتحول إلى قوة زراعية إقليمية، إذا توافرت بيئة مستقرة، وسياسات قائمة على الأدلة، ومؤسسات قادرة على تنفيذها.
وفي نهاية المطاف، يبقى التحدي المطروح أمام صناع القرار والشركاء الإقليميين والدوليينلمفهوم الإصلاح الزراعي جزءًا من مشروع إعادة بناء السودان، أم سيظل القطاع الزراعي يدفع ثمن غياب الدولة واستمرار الصراع..؟


