
تمكَّن التيار الإسلامي في الفترة ما بين ١٩٥٠-١٩٨٥م في إدخال صفوة من شبابه في كل أجهزة القوَّات المسلَّحة وفروعها بهدوء لا يلفت الأنظار، كما تمكَّنت عناصره من التسلل إلى أجهزة الاستخبارات العسكريَّة والأمن لمتابعة أنشطة الأحزاب العقائديَّة والعلمانيَّة داخل القوَّات النظاميَّة وخارجها، واختراقها وكشفها للسلطات السياسيَّة الحاكمة. كذلك تمكَّنت عناصره من الزحف إلى الشرطة لأنها القوَّة المساندة لأي تحرُّك انقلابي. مثَّل جيل الطلائع العسكري الإخواني بشير محمد علي، وعبد الله الطاهر بكر، وعبد الرحمن فرح، وعبد الرحمن محمد الحسن سوار الدهب، وإقبال بعض شباب الإخوان على الكليَّة الحربيَّة منهم: محمد عبد الله برات، وحسين خرطوم دارفور، ولئن تساقط جزء منهم. في لقاء صحافي مع عضو سكرتاريَّة اللجنة المركزيَّة للحزب الشيوعي السُّوداني الراحل التيجاني الطيِّب بابكر قال إنَّ “الذين يعرفون عمر البشير قالوا إنَّه لعضو في حركة الإخوان المسلمين منذ العام 1967م، وهو كان أرفع ضابط من الإخوان في الجيش”. وفي لقاء صحافي مع قائد قوَّات التحالف السُّودانيَّة العميد عبد العزيز خالد، الذي هو من دفعة الفريق عمر البشير في الكليَّة الحربيَّة السُّودانيَّة، ذكر العميد خالد أنَّ “المدارس الثانويَّة كانت في عهدنا مؤسَّسات نشطة فكريَّاً وأدبيَّاً، وكان (عمر) البشير منذ تلك المرحلة منتمياً إلى التيار الإسلامي، وهو سر علاقته الوطيدة مع زميله سابقاً علي عثمان محمد طه. أنا كنت آنذاك ضمن مجموعة طلاب الجبهة الديمقراطيَّة، وربما لذلك دأبوا على أن يرموني في أجهزة الإعلام بالشيوعيَّة (…) كان الرجل من كوادر الجبهة (القوميَّة الإسلاميَّة) منذ تلك الفترة الدراسيَّة، وهو أمر لا يمكن إسقاطه لنتحدَّث عن كفاءته أو إنجازاته المهنيَّة”.
اشترك المراقب العام للإخوان المسلمين الرشيد الطاهر بكر في الانقلاب العسكري الفاشل في يوم ٩ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٥٩م ضد نظام الفريق إبراهيم عبود، واشترك معهم الشيوعيون بواسطة الضابط محمد محجوب (شقيق عبد الخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني حينذاك). كان المحامي الرشيد الطاهر بكر والانقلابيون معه يجتمعون في مكتب المحامي والسياسي محمد أحمد محجوب، وقد حذرهم محجوب وعلي طالب الله بأنَّ السلطات الأمنية تراقبهم، وهي على علم بما تفعلون، لكنهم لم يعيروا الأمر انتباهاً أو اهتماماً. لو قبلوا المشورة من مثله لاهتدوا إلى الرشد، ولكن لا رأي لمن لا يطاع، أو كما نصح الشاعر دريد بن الصمة قومه بما فيهم أخاه عبد الله بأن لا ينزلوا بموضع منعرج اللوي، لأنَّ العدو سيداهمهم، لم يسمعوا بنصيحته، فما كانت إلا برهة حتى داهمهم العدو، واستطال على رؤوسهم، وقتل معهم عبد الله، فذكر في قصيدته الشهيرة:
ولما رأيت الخيل قبلاً كأنَّها
جراد يباري وجهة الرّيح مغتدي
أمرتُهمُ أمري بمُنعرجِ اللِّوى
قلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
وقد قيل إن تنظيم الإخوان المسلمين رفض الانخراط في الانقلاب، ومضى الرشيد في تأسيس عمل عسكري انقلابي مستقل من خلال صلاته الشخصيَّة ببعض الضباط في الجيش ومن خلال الوجود الإخواني الضيِّق، الذي بدأه بشير محمد علي، وهو الذي أسس أول أسرة إخوانيَّة داخل الجيش في مطلع الخمسينيَّات، كما أسلفنا ذكراً.
بعد فشل الانقلاب تمَّ الإعدام شنقاً لكل من: البكباشي (المقدم) علي حامد، والبكباشي يعقوب كبيدة، والصاغ (الرائد) عبد البديع علي كرار، واليوزباشي (النقيب) الطيار الصادق محمد الحسن، واليوزباشي (النقيب) عبد الحميد عبد الماجد من نشطاء التيار الإسلامي؛ كما صدرت أحكام بالسجن المؤبَّد على كل من: الصاغ (الرائد) عبد الرحمن كبيدة، واليوزباشي (النقيب) عبد الله الطاهر بكر، واليوزباشي (الملازم أول) محمد جبارة، واليوزباشي (الملازم ثاني) محمد محجوب عثمان – السجن مدى الحياة، وغالبيتهم من عناصر التيار الإسلامي، ونال الرشيد الطاهر بكر خمس سنوات في السجن، وبعد خروجه أو أثناء وجوده في السحن تم إعفائه من عضوية الحركة الإسلاميَّة. تجدر الإشارة إلى أنَّ عبد الله الطاهر بكر هو شقيق الرشيد الطاهر بكر، وهو “كان من خريجي مدرسة حنتوب الثانوية، وقد التحق فيما بعد بالكليَّة الحربيَّة، وما أن استقرَّت ثلاث دبورات على كتفه حتى دفعته روح القيادة (والمغامرة) إلى المشاركة في انقلاب البكباشي (المقدم) علي حامد، وكاد أن يُطاح رأسه لولا العناية الإلهيَّة التي منحته ثلاث سنوات سجناً عن كل دبورة.” كان إعدام الانقلابيين شنقاً من غير عادة تنفيذ الأحكام العسكريَّة على الجنود، وكان ذلك خوفاً من ألا يقوم العسكر بإطلاق النَّار على رفاقهم، وبخاصة أنَّ هذه الحكام الصارمة هي الأولى من نوعها التي صدرت في عهد الحكم الوطني.
يذكر محمد محجوب عثمان أنَّ الحزب الشيوعي السُّوداني لم يكن مسؤولاً عن هذه الحركة فكرة وتخطيطاً، أو مشاركة، بناءً على قرار صادر من القيادة الحزبيَّة. لكن مشاركته فيها جاءت كضابط وعضو في الحزب تمَّ على أساس موقف تآمري لعضوين من أعضاء اللجنة المركزيَّة الذين كان معظمهم رهن الاعتقال في ذلك الوقت ما عدا هذين العضوين، وهما أحمد سليمان المحامي ومعاوية إبراهيم سورج، وقد نقل إليهما ما تمَّ من اتصال ضمه إلى الحركة، لأنَّ التزامه الحزبي يقضي بذلك، وبعد عدَّة لقاءات معهما جاءه ما يفيد بأنَّهما على اتصال بأعضاء اللجنة المركزيَّة داخل المعتقل، وأنَّ قراراً مركزيَّاً قد اتخذ بضرورة المشاركة في الانقلاب، من غير الممكن أن ننعزل عن حركة يقودها ضباط وطنيُّون، وحدث ما حدث. إذ يمضي محمد محجوب قائلاً لقد تكشَّفت للقيادة الحزبيَّة فيما بعد أنَّ العضوين المذكورين كانا يتصرَّفان وفق أهوائهما، ومن منطلقات وتقديرات ذاتيَّة، وأنَّ قراراً لم يصدر عن اللجنة المركزيَّة بالمشاركة على الإطلاق، وأنَّ القيادة لم تكن تعلم أصلاً بما كان يدور في الخارج؛ إذ أنَّهم لم يتعرَّفوا على الانقلاب إلا بعد وقوعه من الإعلام الرَّسمي عن طريق الإذاعة”.
إلى يومنا هذا – وكغيرها من الانقلابات العسكريَّة في السُّودان – يكتنف حركة 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1959م كثرٌ من الأسئلة التي لا أجوبة عليها. فعلى سبيل المثال لِمَ لم يتم تقديم الرائد بشير محمد علي والملازم فاروق عثمان حمد لله للمحاكمة العسكريَّة، وتنفيذ حكم الإعدام عليهما أسوة برفاقهما في الانقلاب، برغم من ضلوعهما في المحاولة الانقلابيَّة، وقد “تمَّ اعتقالهما داخل منطقة حامية الخرطوم، بينما كانا يتأهبان للسيطرة على المرفق بكامل أسلحته ومعدَّاته”.
أما انقلاب العقيد حسن حسين عثمان في ٥ أيلول (سبتمبر) ١٩٧٥م فهو انقلاب إخواني هو الآخر، والعقيد حسن حسين عثمان من أبناء غرب السُّودان ومن أوائل عناصر التيار الإسلامي التي دخلت القوَّات المسلَّحة، ولكن بعد فشل الانقلاب وصفته السلطات الحكوميَّة بأنَّه انقلاب عنصري، لأن هناك نفر من جبال النُّوبة خاصة، والغرب عامة، اشتركوا في تلك المحاولة الانقلابيَّة، نذكر منهم الرقيب أول حماد الأحيمر وهو الذي كان قد أنقذ الرئيس جعفر محمد نميري من انقلاب هاشم العطا، وحمله على دبابته من القصر إلى الإذاعة لإذاعة بيان عودته إلى السلطة ودحر الانقلابيين، وكذلك ممن اشتركوا في تلك المحاولة الانقلابيَّة من أبناء النُّوبة الملازم عبد الرحمن شامبي نواي، والطالب الجامعي عبَّاس برشم، والقاضي عبد الرحمن إدريس. ولعلَّ هروب القا ضي عبد الرحمن إدريس من معتقله في سجن كوبر واختبائه في البطانة، حتى هروبه إلى إثيوبيا ومن ثمَّ إلى ليبيا وعودته إلى السُّودان بعد المصالحة الوطنيَّة العام 1977م لا بد أنَّه كان هناك حزب سياسي وقف وراءه وآزره. من الأسى الأسيف والحزن العميق أنَّ أيَّة محاولة انقلابيَّة يقوم بها أبناء الهامش في السُّودان خارج مثلث حمدي طلباً للحقوق الدستوريَّة تُوصف دوماً بأنَّها محاولة عنصريَّة. لعل قضيَّة التظلم الإقليمي وشعور أبناء أقاليم السُّودان النائية، وبخاصة غرب السُّودان أنَّ المقاومة المسلَّحة أتت للجنوب باهتمام، وأن الصمت على الأحوال لا يجدي فتيلاً، هي تلك الفكرة التي كانت أساس التعاون بين العقيد حسن حسين عثمان وبين الجبهة القوميَّة (تنظيم تعاون في إنشائه الرائد فاروق عثمان حمد الله مع بعض أبناء إقليم غرب السُّودان بهدف سحب البساط من الأحزاب الطائفيَّة – الأمَّة والاتحادي الديمقراطي).
لقد كتب بعض من ساسة السُّودان مذكَّراتهم عن حيواتهم السياسيَّة، وكيف تعاطوا مع القضايا العامة التي انخرطوا فيها. غير أنَّ مدى مصداقيَّتهم فيما كتبوه وأذاعوه في النَّاس يعتمد على من عاصرهم، وكان يجدر بالأغيار أن يردُّوا أو يعقِّبوا على مذكِّراتهم حتى يتبيَّن الخيط الأسود من الأبيض، ولعلَّ سكوتهم أشاء بأنَّ كل ما ورد في تأليفاتهم يمثِّل عيون الحقائق. من هنا يبرز داء السياسة العضال في السُّودان في غياب التوثيق الدقيق.
أما على الصعيد العسكري فقد حجب كثرٌ من العسكر، الذين اشتركوا في الانقلابات العسكريَّة في السُّودان برغم من كثرتها الكاثرة، ونجوا من أحكام الإعدامات، ولم يكتبوا شيئاً عن مغامراتهم باستثناء الضابط محمد محجوب عثمان في كتابه الموسوم “الجيش والسياسة في السُّودان: دراسة في حركة 19 يوليو 1971م” (1998م)، والضابط زين العابدين محمد أحمد عبد القادر، وهو كان أحد أعضاء مجلس قيادة انقلاب 25 أيار (مايو) 1969م، وكذلك نشر الضباط الثلاثة من كوادر الحزب الشيوعي السُّوداني، الذين نفذوا انقلاب الرائد هاشم العطا في 19 تموز (يوليو) 1971م، وهم عبد العظيم عوض سرور وعبد الرحمن خوجلي وعبد الله إبراهيم الصافي كتباً. كان اعتراف عبد الله إبراهيم الصافي صريحاً بتورطهم في الانقلاب وأخطائهم فيه. إذ يبدو أن عزوف هؤلاء العسكر الانقلابيين في تدوين مغامراتهم الانقلابيَّة يعود إلى عاملين: العامل الأول إما حفاظاً على الأسرار التي أقسموا بعدم الإفشاء بها مهما كان الأمر، أو العامل الثاني لئلا تمسي هذه المذكِّرات المرشد إلى فهم الانقلابات العسكريَّة وصناعتها، كما حدَّثني أحد أعضاء الحزب الشيوعي السُّوداني حين سألتهم لِمَ لم يكتب الحزب الشيوعي السُّوداني التجربة الانقلابيَّة للرائد هاشم العطا، وذلك لأخذ الدروس والعبر؟
من خلال التجارب الانقلابيَّة في السُّودان – الناجحة أو الفاشلة – كانت للأحزاب السياسيَّة ثمة أدوار متباينة فيها، وأخذت هذه الأحزاب تمثل الجناح السياسي لأيَّة عمليَّة انقلابيَّة تخطيطاً ورعاية. أما الناحية الفنيَّة والعسكريَّة في التنفيذ فكان يقوم بها الجناح العسكري للحزب. وفي بعض الأحايين يشترك أكثر من حزب سياسي أو رؤى سياسيَّة متباينة، وذلك كما حدث في محاولة 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1959م كما أبنا سلفاً، و25 أيار (مايو) 1969م، حيث اشترك في الانقلاب المايوي “تنظيم الضباط الأحرار كصيغة تحالف بين الضباط الشيوعيين الذين بادروا ببنائه، وبين الضباط الوطنيين والديمقراطيين من جهة أخرى”، والناصريُّون وحركة القوميُّون العرب، والماركسيُّون المستقلون، أي جميع القوى اليساريَّة. كان الغرض الأساس من هذا العمل هو توحيد قوى اليسار في هيئة منظَّمة لمكافحة إقامة دولة ثيوقراطيَّة، وللحؤول دون تحقيق هدف فرض دستور إسلامي على نظام رئاسي، وذلك بعد أن تشكَّلت رؤية موحَّدة لدي أحزاب اليمين لفرض دستور إسلامي في البلاد. لكن يا للأسف عاد نميري القهقرى، وقام بإعلان الشريعة الإسلاميَّة، أو الفجر الكاذب الذي عُرف بقوانين أيلول (سبتمبر) العام 1983م.
هذا غيض من فيض حاولنا الإدلاء به، ولئن كان الموضوع يتطلَّب بحثاً أكثر استقصاءً. إذاً يتضح جليَّاً أنَّ الحركة الإسلاميَّة كانت قد تبنَّت باكراً فكرة استقطاب جميع المثقفين، واختراق الأجهزة التنفيذيَّة، بما فيها القوَّات النظاميَّة من شرطة وقوَّات مسلَّحة وأمن واستخبارات وغيرها في عهد الاستعمار، لأنَّها كانت أدواته الضاربة، وبعد خروجه، لأنَّها الأجهزة التي تتعامل مع مصالح الجمهور.
shurkiano@yahoo.co.uk


