تحقيقات

كادقلى… الملف الاسود لضحايا الطابور الخامس (13) “خور العفن”

إيهاب مادبو

” الطابور الخامس ( Fifth column)‏ مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام 1936 واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال إميليو مولا أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال فرانكو ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي فرانكو من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والراسمالى”

” هذه سلسلة من مشاهد لجراحات المنطقة المؤلمة لحد الفجيعة التي ارتكبت بحق الإنسانية بما يمكن وصفها بجرائم الابادة الجماعية وهى ماتجعل مرتكبيها مجرمين حرب يجب ان يخضعوا لمفهوم العدالة الإنتقالية تأسيسا لانتقال يسهم فى بناء دولة تقوم على الحقيقة والمصالحة , وهذا النوع من الجرائم لايمكن ان يسقط بالتقادم لأن آثار الجريمة هنا مستمرة بإستمرار الآجيال … “

خور العفن هو اسم يُطلق على أحد الخيران جنوب مدينة كادوقلي، وقد ارتبط في الذاكرة المحلية، خاصة في التسعينات، بسمعة قاتمة بسبب ارتباطه بأنشطة الاستخبارات وقوات الأمن، وفي سياق تلك الفترة كان يُستخدم كموقع للتخلص من جثث الضحايا الذين تمت تصفيتهم خارج نطاق القانون. ونتيجة للتصفيات التي حدثت بكادوقلي ، ضد الابريلء من المثقفين من أبناء النوبة ، اصبح خور العفن يشكل جزءًا من ذاكرة العنف المرتبط بتصعيد الصراع الإثني والسياسي في جبال النوبة، خاصة مع استهداف المتعلمين والمثقفين من أبناء النوبة من قِبل جهاز الأمن والاستخبارات.

وبسبب تلك الإنتهاكات من قبل الإستخبارات، وجهاز الأمن تحولت كادوقلي الي مدينة شاحبة يسكنها الخوف والرعب،واصبحت تلك المدينة الرائعة التي تحرّض علي الفرح والجمال عبارة عن سجناً كبيراً بداخله الآف الضحايا من المدنيين بسبب تصنيفهم علي أساس إنهم طابور خامسا ، وهو الإتهام الذي يسوق ضحيته الي التصفية الجسدية.

ويشير بعض الناجين والناشطين إلى أن الخور كان رمزًا للرعب، وكان السكان يتجنبون الاقتراب منه أو حتى الحديث عنه خوفًا من التعرض للمساءلة أو الاعتقال.

وخلال التسعينات حينما صعد الإسلاميين الي السلطة، شهدت جبال النوبة، موجة عنيفة من الصراع والاضطهاد العرقي، في إطار الحرب الأهلية الثانية (1983 – 2005). إذ اصبحت المنطقة مسرحاً لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتُكبت بحق المدنيين من قبائل النوبة، على يد القوات الحكومية السودانية وميليشيات الدفاع الشعبي المتحالفة معها، تحت غطاء “مكافحة التمرد”.

ومنذ أوائل التسعينات، تبنّت ” الإنقاذ” سياسة ممنهجة لعزل السكان المحليين ودعم حملات تطهير عرقي، بهدف إفراغ مناطق النوبة من سكانها الأصليين الذين اعتبروا مؤيدين للحركة الشعبية لتحرير السودان. شملت تلك السياسات:

التهجير القسري: حيث تم ترحيل عشرات الآلاف من النوبة قسرياً إلى معسكرات اعتقال أُطلق عليها “مناطق السلام”، حيث عانوا من الجوع وسوء المعاملة،بجانب القصف الجوي والمدفعي العشوائي على القرى والمزارع، ما أدى إلى مقتل الآلاف من المدنيين وتدمير البنية التحتية الريفية.

التجويع المتعمد: حُظرت المنظمات الإنسانية من الوصول إلى المناطق المتضررة، ما فاقم الأزمة الإنسانية.

التمييز العرقي والديني: مورست ضغوط شديدة لفرض الهوية العربية الإسلامية على السكان، في محاولة لطمس الثقافة النوبية المسيحية أو التقليدية.

إعلان الجهاد: حيث قامت هيئة علماء السودان، وبدعم مباشر من حاكم إقليم كردفان” سيد الحسيني عبدالكريم” بإصدار فتوي بالجهاد ضد النوبة بإعتبارهم خوارج مارقين عن المِلة وجرت تسمية ” الخوارج” علي النوبة حينها واصبحت من بعد ذلك وصفاً للمنتمين للحركة الشعبية، ونتيجة لهذه الفتوي فقد خرج جموع من الإسلاميين من صلاة الجمعة بمسجد كادوقلي العتيق في مسيرة بقيادة كل من محي الدين التوم وعلي قدوم وانيس عبداللطيف وأتجهت نحو حامية كادوقلي حيث مقر الكتيبة (121) هجانة، وطالبت المسيرة التي كانت تهتف بشعارات تنادي بإراقة كل الدماء ويعود للدين مجده

فلترق منا
او ترق منهم دماء
او ترق كل الدماء

خاطب هذه المسيرة معتمد كادوقلي عبدالوهاب بجانب قيادات من الإسلاميين، وبعدها مباشرة شهدت المدينة اسوء مجزرة إنسانية في التاريخ كان ضحيتها حوالي (232) مواطن بتهمة الطابور الخامس او التخابر مع الحركة الشعبية.

إن التصفيات التي حدثت بخور العفن في كادوقلي كانت واحدة من الأحداث الدموية المروعة التي شهدتها المنطقة، وإن الذين نجوا من هذه المجزرة يحتفظون بذكريات مؤلمة عن هذه الفترة.وتقول إحدي الناجيات من هذه المجزرة وهي تعمل الآن بإحدي المنظمات الإنسانية، وقد التقيتها في وقتِ سابق بمدينة جوبا عاصمة دولة جنوب السودان وطلبت عدم الإشارة إلي إسمها حيث تقول في إفادتها:

“كنت أعيش مع أسرتي في إحدى القرى الصغيرة في جبال النوبة، وعندما بدأت القوات الحكومية في التحرك نحو منطقتنا، كنا نسمع عن المجازر التي تحدث في القرى المجاورة، ولكن لم نتوقع أن يصل العنف إلى هنا. في أحد الأيام، بينما كنا نختبئ في الجبال، جاء الجنود إلى قريتنا، وأخذوا الرجال والشباب في سن القتال إلى خور العفن. كانوا يقتادونهم مقيدين، وفي تلك اللحظة شعرنا بشيء رهيب سيحدث.

عندما وصلوا إلى خور العفن، أطلقوا النار على الجميع، لم يُترك أحد. كنت أحد المحظوظين الذين نجوا فقط لأنني كنت مختبئًا بالقرب من الصخور، ولأني كنت شابًا صغيرًا جدًا ولم يكن لدي شيء في يدي للدفاع عن نفسي. لكنني رأيت بأم عيني كيف سقط الجميع أمامي. كانت الجثث تتراكم، والأصوات التي كانت تخرج من فم الضحايا وهم يصرخون ستظل تطاردني طوال حياتي.

لا يمكنني أن أنسى ذلك اليوم. حتى بعد مرور سنوات، كلما تذكرت خور العفن، أعود إلى تلك اللحظة حيث فقدت عائلتي وأصدقائي. كانت مجزرة لم تفرق بين صغير أو كبير، والدماء كانت تغطي كل شيء.” أنتهت الإفادة

ولكن لن تنتهي هذه المأساة الإنسانية التي تركت أثراً نفسيا عميقا، وجراحات إجتماعية لن تندمل لأن أُسر هؤلاء الضحايا مازالوا يأملون في تحقيق العدالة والإنصاف، حيث إن القتلي وبعض من المجرمين الذين قاموا بهذه الافعال مازالوا بالخدمة ويمارسون ذات الإنتهاكات مما يترك ذلك أثراً نفسياً بالغاً لأُسر هؤلاء الضحايا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى