Uncategorizedتحقيقات

كادقلى …..الملف الاسود … ضحايا الطابور الخامس(1)

إيهاب مادبو

 

 

 

( الطابور الخامس ( Fifth column)‏ مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام 1936 واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو “الجنرال إميليو مولا” أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال فرانكو ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي فرانكو من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الإعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الإشتراكى والرأسمالي .
فى منتصف الثمانينات كانت مدينة كادقلى تمثل عروس المدائن بتفاصيلها وإحتشادها بقيم الإنسانية التى تجاوزت التعقيدات الإجتماعية وتشوهات المتخيل الشعبي , كنا حينها قد أكملنا استعداداتنا لإستئناف العام الدراسي الجديد بمدرسة كادقلى الشرقية الإبتدائية , وحينها كانت إهتماماتنا لاتتجاوز شغب الطفولة ومعاكسة عيال ( ام جلبة) الذين رسخت صورتهم بمخيلتنا بأنهم أولاد مدللين ولايقون على قساوة الحياة وذلك لانهم يعتمدون فى وجباتهم على (الرغيف) الذي كان يمثل لأسرنا ترفا وعبئا إقتصادياً ثقيلاً على (قفة) الخضار , فى صباح السبت كان أستاذ “السنجك” مدير المدرسة قد اشرف بنفسه على طابور الصباح ورسوم السبت من كل أسبوع والتى كانت عبارة عن (ريال) عشرة قروش , وقفت الأستاذة “بقيع “التجانى بجانب الأستاذة عائشة التجانى التى كانت تمتلك حسا فنيا راقياً وأظنها كانت تعشق أغنيات الفنان عثمان حسين لذا فانها كانت مهتمة بتلحين أناشيد الصف الخامس بأغنياته الخالدة وقد رسخت بذهنى قصيدة (زارع الحقل فى البكور) التى لحنتها بأغنية مابصدقكم , وكان فى الإشراف على الطابور الأستاذ معاوية وقبل الإنصراف نحو الفصول نادى مدير المدرسة الأاستاذ “محمد عثمان السنجك” على استاذ ؛يبدو من الوهلة الأولى انه جديداً بالمدينة من حيث شكله غير المألوف إذ كان وقتذاك تقوم العملية التعليمية على القومية وكثيرا من الأستاذة كانوا من مناطق خارج الإقليم وأحيانا من أقصي الشمال.
وقف أستاذ “السنجك” وسط الطابور منتصبا كما الأسد ونادى بصوته الجهور
– تعال يا أستاذ حسان
ودخل الى وسط الطابور أستاذ نحيل الجسم كثيف الشعر (قجة) يرتدى بنطال يطلق عليها شارلستون ونظارة سوداء أشبه بما تعرضه دور السينما من شخصيات يكتنفها الغموض
– أستاذ “السنجك” موجها حديثه للطابور , أعرفكم بالأستاذ حسان وهو من أبناء ودبندة وسوف يقوم بتدريس مادة الرياضيات للصفين الخامس والسادس.
ياالله دى (بلوة) شنو دى هكذا قالها عبدالباقي صباحى (قذافي) فى سره حيث إنه كان على قطيعة مع مادة الرياضيات وبعض المواد
بدأ أستاذ حسان صامتا لفترة ثم قال:
– أنا سعيد أن أكون مع هذه الكوكبة من المعلمين والمعلمات وأكثر سعادة بوجودى فى كادقلى وأنا زول واحد زايد واحد يساوى إتنين وح نعرف بعض أكثر بداخل الفصل.
أول حصة صباحية كانت مع أستاذ حسان الذى دخل الينا بالصف الخامس وبعد السلام والتحية طلبنا منا تعريفه بأسماؤنا

صلاح الدين الطاهر جمعة
فخرى الدين على بلتون
عمر الفاروق أحمد موسي حارن
نجم الدين أحمد جمعة
إسماعيل مبارك شيبون
عبدالرحمن على الوادى
وهكذ حتى الكنبة الأخيرة من الفصل الذين كانوا يمتازون بالعنف والفوضي.
شكلت لنا حصة الرياضيات هاجسا مؤرقا وكنا نستعين (بالكركاسة) وبيت النمل لإتقاء عقابه الموجع وهو لم يكتفي بذلك فهو احيانا يطلب منا مد أيادينا الى الأمام ويكون يوماً أسوداً ان لم نقم بتقليمها ونظافتها , كان الفة الفصل يدعى أحمد بلال وهو مفتول العضلات وكان مسؤولا عن الفصل والمشاغبين وأحيانا يقوم بمفاوضة لستة المشاغبين بين عقابه هو أو أستاذ حسان وتأتى إجاباتنا بقبول عقابه , وفى بعض الأحيان يقوم أحمد بلال بالتوقيع على دفتر العيادة وأخرى منح الراحة حسب مقتضيات الحال بيننا وعيال أم جلبة الذين يقومون له بتوفير وجبة الإفطار .. أحمد يمتلك موهبة الخط وهو فنان فى الرسم ايضا وهى موهبة الاستاذ موسي عبدالباسط, وفى ذات يوم شتوى من شتاء كادقلى دخل الأستاذ حسان الفصل قبل الطابور وكنا حينها نقوم بنظافة وكنس المدرسة ثم طلب من تلاميذ الصف الخامس الدخول ,, دخلنا وقد تملكنا الخوف والرعب ,, جلسنا فى الكنبات ثم طلب منا القيام
فقال: بصوت أجش…
-السلااااااام عليكم
-ووووعلييييييكم السلاااااام ورحمة الله تعاااااالى بركاااااتوووو
-جلوس إترموا أقعدوا
-يمرقنا الليلة الله ,, هكذا بدأ يتمتم إسماعيل مبارك أو(طلقا) كما كنا نناديه…
وواصل أستاذ حسان فى صب جام غضبه ثم إلتفت إلينا مجدداً وقد تصبب منا العرق رغم برودة الطقس.
– قال أنا في الدنيا دي كرهتي تلاته حاجات
التسيب ..!!
والزول البليد
والاهمال
بهذه الإفتتاحية تاكدنا بان هذا اليوم يضمر شراً مستطيراً ولا مفر من الصوت.
والفصل عماه الصمت والسكون
ومرة مرة بتسمع صوت زول ببلع في ريقو …
وقف أستاذ حسان أمام باب الفصل وينظر إلى فضاءات المدرسة من الناحية الشمال ثم إستدار بظهره نحو الفصل ووضع الصوت جانبا ًثم قال:
كم تبلغ مساحة نصف قطر الدائرة ..!؟؟ …
-(اللهم لانسألك رد القضاء ولكن نسالك اللطف فيه ) عليكم الله الزول ده ماببالغ , هكذا ردد إسماعيل مبارك بصوت هامس
الفصل كل الفصل وبصورة اشبه بالهستيريا استااااااااااااااااااااذ
؟-إلتفتنا أنا وشيبون للخلف وفى سرنا كان السؤال
؟- معقولة الناس ديل نصاح !!!!
وحتى (شنباي) كان رافعا ًأصبعيه ويطقطق ,, قذافى كان مصراً اصراراً عجيبا ًعلى الإجابة لدرجة أنه وقع على الكنبة وكأنه على ثقة بأن السؤال خدعة لقياس تفاعل التلاميذ.
-وفجأة قطع أستاذ “حسان ” شرودنا تفضل ياقذافي ..
– ثم قال باى نق تربيع ..!!
تسمرنا جميعا وبدأنا فى تلاوة سورة ياسين .(وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لايبصرون )
-باي ياباي الليلة نشوف الباي كيف مع الصوت دا , هكذا بعبارات غاضبة ردد أستاذ “حسان”
-ثم أمر الأستاذ حسان من (شنباي) الإجابة وقد بدأ عليه إنه أخطا فى تقديراته حيث أنه كان يعتقد جازما بان السؤال ليس سوى إختبار
واصل الأستاذ “حسان “قوم قول للطير…
أصبح زميلنا فى عالم آخر حيث جحظت عيناه ونشف ريقه
-يإبنى ماعندنا زمن ياتجاوب أو كمان تقيف مع زميلك دا ملوحا بصوت العنج أمامنا وقد خطف أبصارنا والهب ظهورنا
– صمت أبوشنب فترة ثم قال للأستاذ أنا بنجلد ..!!!
تفاجأنا جميعا بهذه الإجابة وحتى الأستاذ “حسان” قد تفاجأ هو الآخر ! وكأنه قد تملكه إحساس بإنه جلاد أكثر من كونه أستاذاً تربويا, وقد بدأ متأثرا للغاية ثم إلتفت الى أبوشنب قائلاً
-ليه كده يإبني …هل أنا قصرت في توصيل المادة …!!؟
رد شنب لا يا أستاذ؛
-جيت سألتني قلت مافاهم ….!!؟
-لا
ثم قام الأستاذ بتحويل السؤال للفصل هل أنا ماقادر أوصل ليكم المعلومه ….!!؟
وبصوت واحد قلنا لاااااااااا
نظر الأستاذ “حسان ” إلي أعلى كثيراً وكأنه يوارى دمعة قد سقطت خلسة ثم لملم محتوياته وخرج الى الأبد ,, خرج من المدينة التى دخل اليها بسؤال وخرج منها بذات السؤال حول الغموض الذى اكتنف شخصيته .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى