
الطابور الخامس ( Fifth column) مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام (1936 ) واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال “إميليو مولا” أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال “فرانكو” ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به “مؤيدي فرانكو” من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والراسمالى)…
” هذه سلسلة من مشاهد لجراحات المنطقة المؤلمة لحد الفجيعة لجرائم ارتكبت بحق الإنسانية بما يمكن وصفها بجرائم الابادة الجماعية وهى ماتجعل مرتكبيها مجرمين حرب يجب ان يخضعوا لمفهوم العدالة الإنتقالية تأسيسا لانتقال يسهم فى بناء دولة تقوم على الحقيقة والمصالحة , وهذا النوع من الجرائم لايمكن ان يسقط بالتقادم لأن آثار الجريمة هنا مستمرة بإستمرار الآجيال”
من الاساطير التي رسخت بأذهاننا في فترة ما من الزمان ، هي قصة جبل بليلة التي اختلفت حولها الروايات ولكنها في ذات الوقت عكس الجحود والنكران، بما يستدعي ذلك القصة العربية الشهيرة “جزاء سنمار” التي درسناها بالمرحلة الإبتدائية
بليلة كافي تية ، وهو إسمه الحقيقي يسكن شرق حي كليمو “السلخانة” في الجبل الذي سمي بإسمه جبل “بليلة” واحيانا يسمي بحجر بليلة ، اشتهر بالزراعة في المساحة التي تقع شرق مصنع نسيج كادقلي ،يذهب باكرا لزراعته حاملا تأملاته بما يحقق له الإكتفاء الذاتي حينما تمتلئ “سيوبته” ، وهي مخزن الغلال التقليدي بجبال النوبة من الذرة والفول وماجادت به الارض الخصبة من سنابل العنكوليب، وهو بذلك ايضا له زراعة صغيرة تعرف ب”الجبراكة” علي قمة الجبل تمثل له إهتماما ثقافيا ترجمت معانيها إيقاعات الكرنق والكمبلا والكيسة إحتفالات بكرنفالات “الدرت” وسبر الحصاد الذي يحتشد بكل معاني السعادة والحب والجمال.
لاحظ “بليلة” في احدي الليالي الخريفية ضوءاً لامعاً من علي سطح الجبل ، ولكنه لم يعيره إهتماما في بداية الامر بحسب رواية حفيدته “سلوي”، واستمر هذا الضوء كلما توشح الجبل بسواد الليل ،ليسطع هذا الضوء المثير والمحفز للسؤال والمغامرة، وكان بليلة يتساءل في سره
ياربي دا الشيطان ابو لمبة البقولوه؟
او كمان دا جان “بعلل” في اولاده؟
هذه التساؤلات حفزّت العم “بليلة” لكشف ثبر غور هذا “النور” المثير للدهشة والمحرض للسؤال ، فحزم قراره بالبحث عن إجابة ترتقي لحسم دهشة تساؤلاته، فصعد بليلة الي الجبل بهدوء تام وإحتراز شديد ، فالشيطان ابولمبة كما تعارفت عليه مجتمعات كادقلي حينذاك يتجول وفي يديه “لمبة” وكلما اقتربت منها كلما ابتعدت مسافة كما السراب، وحينما صعد العم بليلة الي قمة الجبل لاحظ ثعبانا كبيراً كان قد وضع ” الجوهرة” وبدأ يبحث عن طعامه وسط الحشائش، غفل بليلة راجعا الي كوخه وفكر في هذه الجوهرة الثمينة، وضع خطة محكمة للحصول عليها حيث استعان علي هذه المغامرة ب”زير” صغير وجوال خيش كان معدا اساسا لحصاد القطن ، رجع مسرعا وبدأ يخطط في الخطة ، اقترب من الثعبان قليلاً وازدادت دقات قلبه كثيراً، ففشل المهمة يعني موته لامحال،أقترب بحذر من الجوهرة التي وضعها الثعبان جانباً وبدأ يلتهم طعامه وبسرعة وضع العم بليلة شوال الخيش علي الجوهرة ثم قام بإدخالها داخل “الزير” وقام بالركض نحو منزله والثعبان يجري وراءه للإنقضاض عليه، ولكن لامحال فقد كانت خطوات العم بليلة هي الاسرع نحو الحياة من الموت بلدغة ثعبان غاضب.
وصل العم بليلة لمنزله واحكم جيداً قفل الباب ،حتي لايتسرب الثعبان من بين فتحاته ، ولكنه سمع صرخةً مدوية بالجبل اشبه بصوت صغار الأغنام “السخل”، وقيل في الرواية المتعارف عليها شعبيا ، إن الثعبان حينما فشل في اللحاق بجوهرته قام بالإلتواء علي نفسه ولدغ جسده مستسلما للإنتحار والموت ، وقد وجدت جثته هامدة علي الجبل.
صادفت مغامرة العم بليلة ترتيبات لزيارة الرئيس نميري لكادقلي في منتصف السبعينات ضمن إحتفالات اعياد الإستقلال في الفترة التي كان يحرص نميري لحضورها بمدن البلاد المختلفة، فقرر العم بليلة ان يقوم بإهداء هذه الجوهرة للرئيس نميري، فذهب الي شرطة كادوقلي وقابل مدير الشرطة انذاك وشرح له مهمة زيارته وسعادته الغامرة بإهداء الرئيس نميري هذه الجوهرة. تمعّن مدير الشرطة هذه الجوهرة جيداً وأضمر في نفسه شراً، في حين ان العم بليلة كان في عوالمه الاخري وقد اشتعل عقله بتصورات خيالية وسرح ينسج في خيوط الأمنيات ، وفجأة يقطع شروده صوت عسكري بشارب كثيف
ياج انت
انا
ايوه انت ومال انا
نعم ياولدي
نعامة تزوزي بيك،، تعال هنا
ينهض العم بليلة من مقعده بإتجاه ما أشار اليه العسكري
ادخل هنا تدخل قيامتك.
ودخل العم بليلة الي السجن حبيساً ، ومكث فيه شهوراً حتي انفض سامر تلك الإحتفالات وهو بداخل زنازنته يندب حظه العاثر ويسترجع في شريط تلك المغامرة التي كادت ان تودي بحياته، حاولت اسرته زيارته ولكنها منعت من قبل مايعرف وقتها بـ”البوليس السري” الذي اوضح لهم بان والدهم يدير تنظيم سري للنوبة ضد الحكومة وقد حاول مع آخرون إفشال زيارة الرئيس نميري للمدينة ولكن العين الساهرة تمكنت من القبض عليه، استمر شهوراً بالحبس حتي حضر افراد من الشرطة علي عربة وهم يحملون جثمانه وبيدهم تقريراً طبياً كتب عليه “مات منتحراً” وماتت قبله حكاية اشبه بالأسطورة كانت تفاصيلها هي ترجمة العرفان بالنكران.



