مقالات واراء

دكتور الوليد آدم مادبو يكتب: انهيار دولة الأفندية

يصيب د. محمد عبد القادر سبيل حين يشخّص الجرح الاقتصادي في مقاله الأخير «خذوا حذركم.. ستنهار الدولة فجأة»: دولة تنازلت طواعية، عام ١٩٩٢، عن احتكار عملتها الصعبة، وسلّمت مقدّراتها لطبقة تجّار الصادر، فباتت رهينة لمن يملك الدولار لا لمن يملك الشرعية. لكن هذا التشخيص، على دقته، يقف عند السطح الاقتصادي، ويعامل الانهيار وكأنه خلل في السياسات يمكن تصحيحه بمرسوم يعيد احتكار الذهب والصمغ والمواشي إلى خزينة الدولة. وهذا، في تقديري، وصفٌ لأحد الأعراض، لا كشفٌ عن المرض نفسه.

فالمرض أعمق من ميزان المدفوعات، وأقدم من معركة الفاشر أو كردفان. إنه انهيار السند الأخلاقي والفكري لمشروع سياسي بأكمله: مشروع «دولة الأفندية»، ذلك الاسم اللطيف الذي يخفي تحته حقيقة أشد قسوة؛ وهي أن السودان الحديث حُكم، منذ الاستقلال، بمنطق مركز يفترض لنفسه حق الوصاية على أطراف واسعة، من دون أن يملك مقابل هذه الوصاية أياً من مقوماتها الفعلية.

ومن هنا، فإن الحرب الدائرة اليوم بين الجيش وقوات الدعم السريع، وما يُساق فيها من خطاب «محاربة الإسلاميين» أو «استعادة الدولة»، ليست جوهر القصة بقدر ما هي واجهتها الإعلامية. جوهر القصة أن جماعة الجلابة — بوصفها تكويناً سياسياً واقتصادياً تاريخياً، لا وصفاً عرقياً — تحاول اليوم، عبر أي واجهة متاحة لها، أن تستعيد ما اعتادت أن تملكه من دون أن تدفع ثمنه: الهيمنة على القرار والاقتصاد والسلاح، في بلد تجاوزتها فيه موازين القوة الفعلية منذ عقود. فهذه الجماعة لا تملك اليوم الكثافة السكانية التي تبرر مركزيتها، ولا الموارد الطبيعية المنتجة فعلياً، ولا القوة القتالية المستقلة القادرة على حسم أي معركة بمفردها.

ولعل أبلغ دليل على إفلاس هذا المشروع فكرياً هو تناقضه مع نفسه. فالخطاب الرسمي ذاته الذي وصف قوات الدعم السريع بأنها «عرب شتات» لا سند لها ولا جذر، عاد، بعد أشهر معدودة، حين عجز عن حسم المعركة بمفرده، ليمتدحهم بوصفهم «العماد والرشاد» متى احتاج إلى سواعدهم في جبهة أخرى. هذا التذبذب ليس مناورة تكتيكية عابرة، بل عَرَضٌ لمركز لم يعد يملك بوصلة أخلاقية ثابتة، وإنما حسابات آنية يعيد بموجبها تعريف الحليف والعدو وفقاً لموازين اللحظة.

والنتيجة أن «القوات المشتركة» نفسها — التي استُخدمت وقوداً في معارك المركز — باتت اليوم تبتزّ الحكومة، بل تهددها علناً، في غياب أي معادل عسكري موازٍ يردعها. فلا يمكن لدولة أن تستمر إلى الأبد في تحريض الهامش على بعضه بعضاً، ثم تحسب أن الساحة ستخلو لها في النهاية من دون فاتورة تُدفع.

وكل دولة، في نهاية الأمر، تحكم إما بإنجاز يُقنع الناس، أو بفكرة تُلهمهم، أو بقوة تُخضعهم. ودولة الأفندية فقدت الإنجاز منذ عقود من الفساد والفشل التنموي المتكرر، وفقدت الفكرة يوم تبيّن للسودانيين أن شعارات «الوحدة الوطنية» و«هيبة الدولة» لم تكن، في كثير من الأحيان، سوى غطاء لاحتكار المركز، لا مشروعاً جامعاً لكل السودانيين. فلم يبقَ لها إلا القهر: الأمن، والاعتقال، والتجييش، وأخيراً الحرب المفتوحة.

وهذا هو المعنى الحقيقي للانهيار الأخلاقي والفكري الذي يسبق أي انهيار عسكري أو اقتصادي: حين تفقد النخبة الحاكمة قدرتها على تقديم مبرر أخلاقي لاستمرار سيطرتها، فإن أدواتها — الجيش، والبنك المركزي، والإعلام الرسمي، وحتى الدستور — تتحول تدريجياً من أدوات حكم إلى أدوات قهر عارية؛ يراها الناس على حقيقتها، ويكفّون عن تصديقها.

وكان بإمكان دولة الأفندية، بعد كل فرصة تاريخية ضاعت — أديس أبابا ١٩٧٢، واتفاقية السلام الشامل ٢٠٠٥، وثورة ديسمبر ٢٠١٨، واتفاق جوبا ٢٠٢٠ — أن تقرأ الرسالة: أن زمن «الوصاية الطوعية» من مركز محدود القدرات على أطراف واسعة الموارد قد انتهى.

وكان بإمكان نخب المركز، وفي مقدمتهم مثقفون بوزن د. عبدالله علي إبراهيم، أن يقرأوا اللحظة بوضوح، وأن يقنعوا الأقلية الحاكمة بأن ساعة التنازل قد حانت؛ تماماً كما فعل فريدريك دي كليرك حين اعترف بأن نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لم يعد قابلاً للاستمرار، فاختار تفكيكه من الداخل قبل أن يُفرض عليه من الخارج.

فدولة «الأبارتايد الجلابي» في السودان، في هذا التصور، لا تختلف في جوهرها عن دولة الأقلية البيضاء هناك: مركز ضئيل العدد يحتكر الثروة والسلاح والقرار على حساب أغلبية مسحوقة. لكن الأيام كشفت أن هذا الخيار العقلاني لم يكن مطروحاً جدياً؛ إذ فضّل عرّابو الحرب الأخيرة أن يلعبوا دور «الهبنقة»، ذلك الذي يصرّ على المضي في الاتجاه نفسه، حتى حين تصبح المراجعة والتسليم بالحقيقة أقل كلفة من المكابرة.

وقد قاد هذا الإصرار القادة العسكريين أنفسهم إلى محطة الإدانة الدولية، وإلى تهمة استخدام السلاح الكيميائي التي لم تُسحب ولم يُعتذر عنها. أما الانهيار الاقتصادي الذي يصفه د. سبيل، فليس سوى أحد تداعيات هذا المسار، وما ترتب عليه من حصار دبلوماسي وسياسي لم تتعجل القوى الدولية فرضه، بل جمعت خيوطه بصبر إلى أن اكتملت شروط الإحاطة بالملف.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم اللحظة الراهنة بوصفها لحظة انكشاف حقيقية لدولة الأفندية. ولم يعد «الإسلام الأيديولوجي» سوى آخر لافتاتها المتاحة، مع أنه لم يكن اللافتة الوحيدة، ولا حتى الأهم. فالمشكلة أسبق من الأيديولوجيا، وأعمق من تبديل التحالفات: إنها في بنية السلطة نفسها وفي العلاقة المختلة بين المركز والأطراف.

وهنا تحديداً تكمن دلالة تسميتها «دولة الأفندية» أو «دولة الجلابة». فقد اصطف جلّ هذه الجماعات — لا كلها — إلى جانب الجيش اليوم، متعللةً بعداوتها لـ«الجنجويد»، بينما يبدو أن الدافع الحقيقي لدى قطاعات واسعة منها هو الحفاظ على الهيمنة القديمة، لا السعي إلى إنصاف حقيقي أو إعادة توزيع عادلة للسلطة والثروة.

وحتى من وقف ضد «الإسلاميين» داخل المركز نفسه، لم يكن بالضرورة يسعى إلى إنصاف الشعوب المظلومة، بقدر ما كان يريد تعديلاً في المعادلة لا يفقده موقعه فيها حين تُرتّب أوراق الحكم القادم. ولذلك فإن تغيير الواجهة وحده لن يغيّر جوهر المشروع، ما لم تُعَد صياغة العلاقة بين المركز والأطراف من أساسها.

ومن هنا، فإنني أفضّل أن نعمل، بالهداوة، على مقررات الاتحاد الفدرالي — أو الكنفدرالي — حتى لا يتحول الانقسام الوظيفي القائم فعلياً على الأرض إلى تقسيم سياسي وإداري دائم لا رجعة فيه. فما دام الباب مفتوحاً أمام التئام مستقبلي أكثر عدلاً ونضجاً، فالأجدى أن نترك للتاريخ والسياسة مساحة لإعادة بناء ما أفسدته الحرب، بدلاً من تحويل واقع الانقسام الحالي إلى قدر نهائي.

ختامًا، ما ينهار اليوم ليس فقط سعر صرف الجنيه أو خطوط الجبهات، بل شرعية فكرة كاملة: فكرة أن مركزاً صغيراً محدود الموارد يمكن أن يستمر في حكم بلد شاسع التنوع بمنطق الوصاية والاحتكار. وأي «حل» يكتفي بإعادة توزيع أدوات القهر القديمة — احتكار الذهب هنا، وتغيير محافظ هناك — من دون إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف على أسس أخلاقية وسياسية جديدة، لن يكون إنقاذاً، بل تأجيلاً قصيراً لانهيار أعمق.

السودان لا يحتاج معجزة تعيد إلى المركز هيبته القديمة، بل يحتاج شجاعة تعترف بأن تلك الهيبة، في أصلها، لم تكن مستحقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى