
منذ تأسيسه في أواخر الخمسينيات، يحمل سلاح الجو السوداني تاريخاً طويلاً من الإنتهاكات ضد المدنيين، حتى أصبح رمزاً للدمار والترويع، بدلاً من أن يكون قوة لحماية الوطن والمواطنين. مع بدايات تكوينها الأولى، وُجّهت القوات الجوية لقمع الشعوب داخل السودان، مستخدمة القصف الممنهج، وسيلةً لإرهاب السكان وتدمير المجتمعات، في تحدٍّ صارخٍ للمعايير الإنسانية والأخلاقية.
بدأت رحلة التسليح الجوي السوداني في عام 1957، حين استلم الجيش أول طائرة حربية تحت مسمى الدفاع الوطني. لكن هذه القوة انحرفت سريعاً نحو قمع المطالب الشعبية التي برزت في هوامش السودان، مطالبة بالحقوق والعدالة. تم استيراد الطائرات الحربية من دول مثل الاتحاد السوفيتي والصين وروسيا، ثم كوّن الجيش ترسانة من الطائرات المقاتلة مثل “ميج” و”سوخوي”، التي أصبحت أداة قتل موجهة ضد شعوب الوطن نفسها.
يُعد سلاح الطيران أحد الأسلحة المتخصصة داخل الجيش السوداني، لكنه يتمتع بقدرٍ من الاستقلالية، حيث يرتبط مباشرةً بقيادة الأركان. عمليات الاختيار في هذا السلاح تخضع لمعايير تسيطر عليها اعتبارات عرقية وأيديولوجية، مما يرسّخ هيمنة مجموعات معينة على هذا السلاح الحربي النوعي، ويكرّس استخدامه كأداة قمع لمصلحة مجموعات عرقية محددة بهدف الهيمنة على السلطة.
تتبع التقارير الحقوقية نمط العنف الجوي الذي تعرّض له المدنيون، حيث تُظهر دراسة هيومن رايتس ووتش بعنوان “From Southern Sudan to Darfur: Patterns of Airborne Violence Against Civilians” كيف تطورت أساليب العنف من حرب الجنوب إلى دارفور، مبرزةً التأثير المدمر للقصف من القوات المسلحة (SAF) على حياة المدنيين.
كانت أولى المجازر الجوية في جنوب السودان خلال فترة تمرد الدكتور حون قرنق (1983-2005)، حيث استهدفت الطائرات السودانية القرى والمناطق السكنية، مما أودى بحياة الآلاف من المدنيين ودمر بنية تحتية واسعة. ووفقاً لتقرير “They Burned Everything” الصادر عن هيومن رايتس ووتش عام 2004، وثّقت المنظمة دور الطيران الحربي في ترويع السكان عبر استهداف البيوت والمناطق الآمنة، مما استخدم كوسيلة لإخضاع المدنيين وإجبارهم على النزوح.
لم تتوقف تلك الجرائم عند الجنوب، بل تجددت بشكل وحشي في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق بعد عام 2011، حيث استهدفت الطيران الحربي السوداني القرى والأحياء السكنية، وفرض حصاراً قاسياً على المدنيين، مما أسفر عن مقتل وتهجير الآلاف. وثقت منظمة العفو الدولية في تقريرها “Don’t We Matter?” الصادر في 2015 استهدافاً ممنهجاً للمدنيين، في ظل تجاهل دولي مريب، بينما واصلت الطائرات استهدافها العنيف دون أي رادع.
وفي دارفور، مع بدء الحرب عام 2003، أصبح سلاح الجو السوداني جزءاً لا يتجزأ من آلة القتل الممنهج، حيث وثّقت تقارير حقوقية مثل تقرير “Entrenching Impunity” الصادر عن هيومن رايتس ووتش عام 2005 الجرائم الفظيعة بحق المدنيين، إذ استهدفت الطائرات القرى والبوادي والأسواق والمدارس وحتى المستشفيات، مخلفةً وراءها آلاف الضحايا من النساء والأطفال، وبات الطيران الحربي رمزاً لعمليات الإبادة الجماعية في المنطقة.
تضاعفت وتيرة القصف الجوي في الحرب الدائرة الان، في يوليو 2023، استهدفت الغارات الجوية مناطق مكتظة بالسكان، بما فيها مناطق للمدنيين جنوب الخرطوم. ووفقاً لمنظمة العفو الدولية، استخدمت الطائرات الحربية السودانية صواريخ وبراميل متفجرة ثقيلة وطائرات مسيّرة، مما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين وتدمير بنية تحتية حيوية. واستمرت الغارات حتى يومنا هذا، منذ بداية الحرب في 15 أبريل 2023، تشير تقارير مرعبة لمنظمات حقوقية وأممية إلى تقديرات بأن أكثر من 2641 مدنياً سقطوا بين قتيل وجريح بسبب قصف الطيران الحربي. وهذه التقديرات ليست شاملة في ظلّ تجدد واستمرار القصف بشكل يومي، الذي يستهدف المدنيين في دارفور وكردفان والجزيرة والخرطوم وسنار، مما أدى إلى وقوع عدد لا يُحصى من الضحايا، كاشفةً عن آلة قتل لا ترحم ولا تفرّق بين أهداف مدنية وعسكرية.
وتُعتبر الحرب المستعرة الآن نتيجة للمطالبة الملحّة من قبل القوى المدنية وقوات الدعم السريع، بإعادة هيكلة الجيش وأذرعه التي تستخدم كأدوات وحشية لقتل المدنيين. رفضت القلة الجهوية المؤدلجة المسيطرة على الجيش هذا المطلب الإصلاحي، متوهمةً أنها تستطيع الاستمرار في ذلك للحفاظ على سلطتها. ومع استمرار الحرب، نجحت قوات الدعم السريع في إسقاط ما يزيد عن 150 طائرة حربية، لتكشف عن قرب نهاية القوة الجوية التي طالما أرعبت المدنيين. تشير المعلومات إلى أن ما تبقى من الطائرات الحربية يمكن عدّه على أصابع اليد، مما يؤكد اقتراب نهاية آلة القتل هذه التي أنهكت السودانيين لعقود.
واليوم ومع قرب نهايته وبما تبقى منه، يستمر سلاح الجو السوداني في استهداف المدنيين بتكتيكات أكثر دموية وشراسة، توحي بأنه فقد البوصلة، إذ تتزايد الغارات العنيفة التي تحول القرى والمناطق الآهلة بالسكان إلى مسارح للموت والدمار. مشاهد المذابح تتكرر، ويزداد الألم وسط تجاهل دولي مستمر، مما يجعل هذه المرحلة الأكثر دموية في سجل سلاح الجو السوداني، حيث حوّل حياة الأبرياء إلى جحيم لا يهدأ.
هذه الحرب قد تكون بداية النهاية للقلة التي دأبت على استخدام الجيش لترهيب وإخضاع الشعب السوداني، حيث تلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى، دولة سودانية تنبذ القمع وتعيد للجيش دوره كحامٍ للوطن لا كأداة لترويع شعبه.
يظل استهداف سلاح الجو للمدنيين صفحةً سوداء في تاريخ الجيش السوداني. آلاف السودانيين، من دارفور إلى جبال النوبة وجنوب السودان، سقطوا، وآلاف الأطفال والنساء ضحايا لقصف عشوائي لا يعرف إلا ترويع وقتل الأبرياء. وفي ظل غياب المحاسبة، يبقى هذا السلاح شاهداً على الحقبة الدامية التي يمر بها الشعب السوداني، وأحد الأدوات التي توظفها السلطة المركزية في قمع المواطنين.
إن المستقبل الذي ينشده السودانيين يقوم على بناء دولة مدنية عادلة تحفظ كرامة المواطنين، ويكون في صلبها جيش وطني مهني، هدفه حماية الحدود لا قمع شعبه. لذلك، يجب أن تقر مبادئ عمليات صناعة السلام، من بين أشياء أخرى، ضرورة بناء وتأسيس جيش مهني جديد، وعلى رأسه سلاح الطيران، بحيث يصبح مؤسسة مهنية تخضع للوطن وليس لقبيلة أو جهة أو أيديولوجيا. ويعمل ضمن إطار الدستور الديمقراطي، الذي يحترم حقوق الإنسان ويلتزم بالقانون الدولي، لضمان أمن وحياة المدنيين.


