
تعرف المادة الأولى من الاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري 1969 (والتي انضم إليها السودان في مارس 1977) مفهوم “التمييز العنصري” بأنه يعني “أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، علي قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة.”
ولا نحتاج لخطاب أخلاقي أو فلسفي مطول لإدانة كافة أشكال التمييز العنصري باعتبارها من افظع الأعمال اللاإنسانية التي تنتهك كرامة بل وإنسانية البشر. التمييز العنصري بهذا المعنى الواسع للمفهوم ممارسة موجودة في السودان في الماضي والحاضر سواء من قبل مؤسسات الدولة الرسمية أو من قبل بعض المجموعات والأفراد ولكنها _العنصرية_ متجذرة في الشعب السوداني منذ قديم الزمان لدرجة تمايز الشعوب السودانية وفقا لانتماءاتهم العشائرية وأشجار النسب المثيولوجية وليس بانتماءاتهم الطبقية أو المدنية.
وتشكّلت الدولة علي اساس التمييز القبلي والمناطقي بتصنيفات اولاد البلد والعبيد وهي من العبارات الراسخة بالعقل الشعبوي السوداني منذ قديم الزمان صنّفت فيه المجتمعات السودانية علي اساس القبيلة ومحاذاة ذلك الحض من قدر المكونات الآخري على اساس الأنساب العشائرية.
هذه العنصرية المتجذرة بالمتخيل الشعبي لها ابعاد بنيوية مرتبطة بسياسات التهميش والإقصاء والحرمان من الحقوق السياسية والثقافية والإقتصادية وكذلك المواطنة المتساوية علي مدي ازمان حتي اصبحت فيما بعد منهجاً لنظرة الدولة تجاه مواطنيها على اساس هذا الخلل البنيوي وهو ماشكل لاحقا احد العوامل الرئيسية في الحروب الاهلية بالسودان.
لم يقتصر الفصل العنصري علي المجتمعات والشعوب السودانية بل تضمنته المناهج التربوية التى عمدت علي تنشئة آجيال بحمولة خطاب الكراهية ضد الآخر المختلف ثقافيا وإجتماعياً ، واذكر ونحن بمدرسة بورتسودان الحكومية في منتصف التسعينات أن استاذ التاريخ كان يقوم بتعبئة الطلاب بخطاب الكراهية ضد الخليفة عبد التعايشي لدرجة إنه “تقمّص” دور زعيم قبيلته حينما قال في لحظة إنفعال ” عليكم الله نان شوفو الغرابي دا” ويقصد به خليفة المهدي ود تورشين.
وفي المخيلة الشعبية صوراً من متناقضات التثاقف المجتمعي بين السودانيين عبّرت عنه العديد من الثقافات المادية والمعنوية تعبيراً عن العنصرية التى نتحاشاها في رحلة بحثنا عن سؤال الدولة
ناس قباح من الغرب جونا
اولاد ناس زي الكلاب. خلونا
اليبا النقوس والإنجليز الفونا
هذا النوع من “التراشق” بالشعر لايعبر عن وصف حال الشاعر بمعزل عن سياقات الحال العشائرية لمجتمعه ونظرتهم للآخرين بإسقاطات اللون واللغة وهي المعايير التى حاولت فيها نخبة سودان مابعد الإنجليز على تأطيرها علي رسم الشخصية السودانية رغم أنف التباينات الإجتماعية والثقافية.
هذه الحرب بجانب ما احدثته من إنتهاكات إنسانية الإ إنها فضحت و”عرّت” مفاهيم ومشاريع سياسية كشفت عنها حالة الإصطفاف القبلي والمناطقي لدرجة إلتقاء ” الأضداد” في خندق واحد بسياقات الحفاظ علي الإمتيازات مابعد خروج الإنجليز.
ماعاد الحديث عن خطاب التحريض والكراهية ذات جدوي مالم تناقش جذوره ومسبباته التاريخية فالذي يحدث الأن ليس سوي “نكأ” للجراح القديمة التى تقيحت بالصديد والذي لاتنفع معه المسكنات الرغائبية مثل ” نحن شعب واحد” ونحن سودانيين والحقيقة هي إننا اصبحنا في امس الحوجة لنفتح المسكوت عنه من قضايا تمثل محددات مستقبلنا حتى لا نتباكي مستقبلا علي رغبة البعض بالخروج من عباءة دولة العنصرية .



