
تشير السيناريوهات الراهنة إلى أن أي محاولة من قبل الفريق البرهان للاستئصال الكامل للـ«كيزان» — الذين يسيطرون على مفاصل الجيش وقراره السياسي والعسكري وفقاً لترتيبات إقليمية محتملة، لن تكون مجرد عملية عسكرية بسيطة، بل مسارًا محفوفًا بمخاطر أمنية خطيرة قد تصل إلى حد تعريض حياته للتصفية الجسدية.
لقد اتسمت الخلافات بين الإسلاميين، وعلى امتداد عقود، بصراعات شرسة واحتدامات سياسية وصلت في بعض الأحيان إلى مستويات من العنف وإراقة الدماء. ولم يكن ذلك مجرد صراع على المناصب أو النفوذ، بل يعكس في جوهره تحولات اجتماعية عميقة داخل بنية التنظيم، بين قوى تسعى للحفاظ على نفوذها التراتبي التقليدي، وأخرى تحاول انتزاع مواقعها عبر تحالفات جديدة وموازين قوة مختلفة.
ومنذ انقلاب الإنقاذ عام 1989، عمل الإسلاميون على اختراق الأجهزة الأمنية، مما أدى إلى تغلغل التنظيم داخل الجيش بشكل مؤثر، ونتيجة لذلك أصبحت أعداد كبيرة من الضباط، منذ الدفعات اللاحقة مثل الدفعة (40) في الكلية الحربية، مرتبطة تنظيمياً بالحركة الإسلامية،لذلك فإن أي محاولة من البرهان للتخلص منهم لن تعني اختفاء نفوذهم فوراً، بل قد تدفع الصراع إلى مراحل أكثر تعقيداً.
ومؤخراً تناقلت الأخبار من بورتسودان عن احتدام الخلاف بين قيادات إسلامية وبعض قيادات الجيش، عقب تصريحات منسوبة لقيادات إسلامية أعلنت استعدادها للقتال مع إيران فيما وصفته بـ”الجهاد”،وعلي إثر ذلك أصدر الجيش بياناً حذراً نسب فيه تلك التصريحات إلى “جماعة” لا علاقة لها بالمؤسسة العسكرية، في محاولة واضحة لاحتواء الأزمة دون تصعيد مباشر.
وبذلك يجد البرهان نفسه أمام مأزق بالغ التعقيد: فإما أن يلتزم بتعهدات محتملة لقوى إقليمية بإبعاد الإسلاميين عن مراكز النفوذ، وهو خيار قد يضعه في مواجهة مباشرة مع شبكات قوية داخل الجيش ويعرضه للـ”الإغتيال”، أو أن يستجيب لضغوط الإسلاميين، الأمر الذي قد يدفع تلك القوى الإقليمية إلى إعادة النظر في دعمها له وتغيير تكتيكاتها السياسية والعسكرية في السودان.
هذا التعقيد الإقليمي والدولي يجعل أي خطوة يتخذها البرهان ضد الإسلاميين مسألة تتجاوز الصراع الداخلي، لتلامس مصالح خارجية واسعة، وهو ما يجعل ردود الفعل المحتملة غير متوقعة وصعبة التقدير. لذلك، إذا اختار البرهان المضي في خيار القوة للتخلص من “الكيزان”، فإن التكلفة قد تكون ثقيلة على ثلاثة مستويات:
أولاً، المستوى الأمني، إذ قد يؤدي ذلك إلى انقسامات داخل الجيش أو إلى صراعات خفية بين شبكات الولاء المختلفة داخل المؤسسة العسكرية.
ثانياً، المستوى السياسي، حيث قد يدفع الصراع إلى إعادة تشكيل التحالفات داخل سلطة بورتسودان نفسها، وربما ظهور مراكز قوة جديدة.
ثالثاً، المستوى الإقليمي والدولي، إذ قد تتدخل أطراف خارجية بصورة أكثر وضوحاً لحماية مصالحها أو إعادة ترتيب موازين القوى داخل السودان.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يصبح مستقبل البرهان السياسي بل وربما الشخصي مرتبطاً بقدرته على المناورة بين هذه القوى المتشابكة، دون أن يفقد توازنه العسكري والسياسي أو دعم الأطراف الإقليمية المؤثرة.


