مقالات واراء

إبادة الكنابي: عندما تتفوق الحسابات السياسية لمسار دارفور على الالتزامات الأخلاقية

بقلم: عمار نجم الدين

إنَّهُ لَمِنَ العارِ أنْ يتسابقَ قادةُ دارفورَ، الذين وُلدتْ شرعيتُهم من رحمِ المعاناةِ، إلى تقديمِ أنفسِهم كشخصياتٍ رمزيةٍ لا تملكُ من أمرِها شيئًا. مناوي، الذي طالما حملَ رايةَ التحريرِ والعدالةِ، يكتفي اليومَ بتغريدةٍ باردةٍ يُعربُ فيها عن “قلقِه”، وكأنما يتحدثُ من عواصمَ غربيةٍ وليس من موقعِ الحدثِ. تلكَ التغريدةُ ليستْ إلا انعكاسًا لفقدانِ البوصلةِ وتراجعِ القياداتِ التي باعوا قضيتَهم مقابلَ مكاسبَ سياسيةٍ عابرةٍ.

قضيةُ دارفورَ، التي كانتْ يومًا ما كلمةَ السرِّ للوصولِ إلى السلطةِ، أضحتْ في أيدي قادتِها الحاليين مجردَ وسيلةِ ضغطٍ سياسيٍّ لا أكثر. أَلَمْ يكنْ جبريلُ إبراهيم، الإسلاميُّ الذي لا يزالُ ولاؤُهُ لجماعةِ الإخوانِ المسلمينَ أقوى من أيِّ انتماءِ وطنيٍّ أو إقليميٍّ، أحدَ الموقعينَ على اتفاقِ جوبا عامَ 2020 باسمِ دارفورَ؟ لقد أثبتتْ أفعالُهُ أنَّ تعهداتِه ليستْ سوى وعودٍ فارغةٍ، لأنَّ أولوياتِهِ الأيديولوجيةَ تتقدَّمُ على مصلحةِ أهلِ الإقليمِ.
جبريل، الذي نهلَ من أفكارِ سيد قطبٍ والمودوديِّ القائمةِ على “الولاءِ والبراءِ”، لم يُحرِّكْ ساكنًا عندما اشتعلتْ النيرانُ في الكنابي، ولم تكنْ قواتُهُ سوى شاهدٍ على جريمةِ إبادةٍ جماعيةٍ مروعةٍ قادتْها مليشياتُ الجنجويدِ الجدد التي تسمى البراءِ بن مالك و جنجويد وكيكلَ (درعِ السودانِ. ) أينَ كانَ جبريل؟ وأينَ كانَ مناوي؟ لماذا لم تتحركْ قواتُهم لصدِّ تلكَ المليشياتِ، رغمَ وضوحِ التهديداتِ قبلَ انسحابِ الدعمِ السريعِ من مدني؟ الحقيقةُ أنَّ البندقيةَ المستأجرةَ لا تحمي أحدًا، ولا تخدمُ إلا أسيادَها.
ما حدثَ في الكنابي ليس مجردَ حادثةٍ عابرةٍ، بل جريمةٌ موصوفةٌ تُضافُ إلى سجلِّ القادةِ الذين تركوا دماءَ الأبرياءِ تُراقُ تحتَ أنظارِهم . اغتصابٌ، قتلٌ، وحرقٌ للمواطنينَ أحياءً، في مشهدٍ يُعيدُ إلى الأذهانِ أسوأَ فصولِ الإبادةِ الجماعيةِ في التاريخِ الحديثِ. هؤلاءِ القادةُ، الذين صعدوا إلى السلطةِ على أشلاءِ الضحايا، يتنصلونَ الآنَ من المسؤوليةِ ويختبئونَ خلفَ كلماتٍ جوفاءَ وهم يشاهدون فيديوهات التهديد و الوعيد لسكان الكنابي قبل دخول قواتهم للجزيرة .
جبريل، الذي صمتَ على جرائمِ عمرِ البشيرِ وعلي عثمانَ محمدٍ طه، وحماهم مع جماعةِ الإخوانِ منذُ 2020، ولم يُصدرْ حتى بيانًا يطالبُ بتسليمِهم للمحاكمةِ، يُكرِّرُ الصمتَ ذاتَهُ اليومَ، متجاهلًا أنَّ الإبادةَ الجماعيةَ التي أوصلتْهُ إلى السلطةِ لا تزالُ تُرتكبُ. أما مناوي، الذي يُفترضُ أنْ يحملَ بندقيةً للدفاعِ عن أهلِه، فيختارُ التغريدَ بدلًا من الفعلِ، وكأنما تحولَ إلى موظفٍ في منظمةٍ دوليةٍ لا يملكُ إلا “التعبيرَ عن القلقِ”.
مِنَ المأساويِّ أنْ يتحولَ قادةُ الحركاتِ المسلحةِ إلى متفرجينَ، يُغلقونَ ملفاتِ العدالةِ ويعقدونَ تحالفاتٍ ضمنيةً مع مَن ارتكبوا الجرائمَ ضدَّ أهلِهم. قضيةُ تسليمِ عمرِ البشيرِ والمتهمينَ بالإبادةِ الجماعيةِ للمحكمةِ الجنائيةِ الدوليةِ، التي كانتْ أحدَ أهمِّ المطالبِ قبلَ الثورةِ، أُغلقتْ تمامًا بمجردِ وصولِهم إلى السلطةِ. مَن كانَ يظنُّ أنَّ مَن رفعوا شعاراتِ العدالةِ سيصبحونَ “سمنًا على عسلٍ” مع مَن أذاقوا شعبَهم ويلاتِ الإبادةِ الجماعيةِ الموثقةِ دوليًّا وإقليميًّا وأُمَمِيًّا؟
المجزرةُ التي ارتُكبتْ بحقِّ سكانِ الكنابي لنْ تُنسى، كما حدثَ في الجنينةِ. ستظلُّ وصمةَ عارٍ في تاريخِ جبريلَ ومناوي وكلِّ مَن خذلوا دارفورَ وأهلَها. إنَّ دماءَ الأبرياءِ لا تُمحى بتغريدةٍ أو بتعبيرٍ عن القلقِ. دارفورُ تحتاجُ إلى قيادةٍ صادقةٍ تُعيدُ الكرامةَ لأهلِها، قيادةٍ تُدافعُ عن شعبِها بالسلاحِ إنْ لزِمَ الأمرُ، لا أنْ تبيعَ قضيتَها لأطرافٍ داخليةٍ وخارجيةٍ.
في النهايةِ، القلقُ لنْ يُعيدَ الموتى، لكنهُ حتمًا سيُضيفُ صفحاتٍ مأساويةً إلى تاريخِ مَن خذلوا وطنَهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى