من فشل “حرب الساعات الثلاث” إلى تصدير الأزمات: سلطة بورتسودان بين الارتهان للقاهرة والهروب من الانهيار العسكري
بقلم عمار سعيد

في كل مرة تدخل فيها سلطة بورتسودان الانقلابية في مأزق سياسي أو عسكري جديد، تعود إلى الأسلوب ذاته: البحث عن “خصم خارجي” تُعلَّق عليه أسباب الفشل والانهيار الداخلي. ومؤخراً، جاءت الاتهامات المتصاعدة ضد إثيوبيا لتكشف حجم الأزمة التي تعيشها هذه السلطة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على مستوى فقدان القرار الوطني وارتهانه الكامل لأجندات إقليمية، في مقدمتها الأجندة المصرية.
فالخطاب الصادر عن وزارة الخارجية السودانية خلال الأسابيع الأخيرة بدا أقرب إلى إعادة تدوير للرؤية الأمنية المصرية تجاه القرن الإفريقي وسد النهضة، أكثر من كونه تعبيراً عن مصالح السودان الوطنية. فمن الواضح أن القاهرة، التي تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها خصماً استراتيجياً، وجدت في حالة الانهيار السوداني فرصة لإعادة توظيف المؤسسة العسكرية السودانية كأداة ضغط إقليمية تخدم حساباتها الخاصة، مقابل استمرار الدعم السياسي والعسكري والاستخباراتي الذي تقدمه للانقلابيين في بورتسودان.
لكن المفارقة الصادمة تكمن في أن سلطة بورتسودان، المتمثلة في مليشيات جيش الحركة الإسلامية والمليشيات المتناسلة والمتحالفة معها، تتحدث اليوم عن “تصعيد عسكري” ضد إثيوبيا، بينما تعجز أساساً عن حسم معركتها الداخلية أو حتى تثبيت سيطرتها على أجزاء واسعة من البلاد. فهذه السلطة نفسها دخلت الحرب وهي تتحدث بثقة عن إنهائها خلال “ثلاث ساعات”، ثم تحولت الساعات إلى أسابيع، والأسابيع إلى شهور، حتى تجاوزت الحرب أكثر من ثلاث سنوات من الانهيار والدمار والتراجع العسكري المستمر.
والسؤال المنطقي الذي يطرحه السودانيون اليوم: كيف لسلطة عاجزة عن حسم حرب داخلية أشعلتها بنفسها أن تتحدث عن مواجهة إقليمية مع دولة بحجم إثيوبيا؟
إن الواقع الميداني يكشف تناقض الخطاب الرسمي بصورة فاضحة. فبينما تواصل وسائل إعلام السلطة إطلاق التهديدات والتصعيد الكلامي، تشير التطورات على الأرض إلى تمدد متواصل لقوات تحالف “تأسيس” في عدة محاور، خاصة في جنوب كردفان والنيل الأزرق وأجزاء واسعة من دارفور. وبحسب الخطاب السياسي والإعلامي المتداول داخل معسكر التحالف، فإن قوات “تأسيس” أصبحت تسيطر على نحو 70% من مساحة السودان، كما تفرض سيطرتها على الحدود المشتركة مع خمس دول من أصل سبع دول مجاورة للسودان، إضافة إلى امتلاكها قوة عسكرية ضخمة يقدَّر عدد مقاتليها بأكثر من 450 ألف مقاتل، وهو ما يجعلها ــ وفق هذا الطرح ــ متفوقة عدداً وانتشاراً على القوات التابعة للبرهان وحلفائه.
وسواء اتفق المرء أو اختلف مع هذه التقديرات، فإن الحقيقة الثابتة هي أن ميزان القوة على الأرض لم يعد كما كان في بداية الحرب، وأن سلطة بورتسودان باتت تواجه ضغطاً عسكرياً وسياسياً متزايداً، الأمر الذي يفسر حاجتها المستمرة إلى افتعال أزمات خارجية لصرف الأنظار عن إخفاقاتها الداخلية.
فالحديث المفاجئ عن “التهديد الإثيوبي” لا يمكن فصله عن حالة التراجع السياسي والعسكري التي تعيشها السلطة الحالية. كما لا يمكن فصله عن فشل الجولة الخارجية الأخيرة لقائد الجيش، والتي كانت تهدف إلى استقطاب دعم إقليمي ودولي جديد، لكنها انتهت بنتائج محدودة للغاية. فالدول التي كانت حتى وقت قريب توفر غطاءً مالياً أو دعماً عسكرياً بدأت تعيد حساباتها، وبعضها انشغل بصراعاته الخاصة، بينما تخشى أطراف أخرى من أن يؤدي دعمها للمؤسسة العسكرية السودانية إلى ربطها بشبكات الإسلام السياسي السوداني، خاصة في ظل تصاعد النقاشات الدولية حول نشاط جماعات الإخوان المسلمين وتمويلها وتحركاتها الإقليمية.
لقد أصبح واضحاً أن جزءاً كبيراً من أزمة سلطة بورتسودان يرتبط بمحاولة إعادة إنتاج مشروع الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة والجيش، بعد سقوط نظام عمر البشير. ولذلك فإن الحرب الحالية لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها صراعاً عسكرياً، بل باعتبارها أيضاً معركة لإعادة تمكين شبكات الإسلاميين القديمة تحت غطاء “الحفاظ على الدولة”.
وفي هذا السياق، تبدو وزارة الخارجية السودانية وكأنها فقدت استقلاليتها بالكامل، وتحولت إلى منصة سياسية تعكس أولويات القاهرة أكثر مما تعكس أولويات السودانيين أنفسهم. فبدلاً من التركيز على وقف الحرب، أو معالجة الكارثة الإنسانية، أو إعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة، تنشغل السلطة بإطلاق اتهامات خارجية والتلويح بتصعيد إقليمي لا تملك عملياً أدواته ولا قدراته.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان اليوم هو استمرار تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية، بينما تتآكل الدولة من الداخل يوماً بعد يوم. فالدول التي تمتلك قرارها الوطني لا تجعل جيوشها أدوات لخدمة مشاريع الآخرين، ولا تستخدم الأزمات الخارجية للهروب من الفشل الداخلي.
وفي النهاية، فإن الأزمة السودانية لن تُحل عبر التصعيد الإعلامي ضد إثيوبيا أو غيرها، ولن تُحل عبر استدعاء الدعم المصري أو الاحتماء بالمحاور الإقليمية، بل عبر مشروع وطني سوداني مستقل يعترف بحقائق الميدان، ويضع مصلحة الشعب فوق حسابات السلطة، ويُنهي حالة الارتهان السياسي والعسكري التي دفعت السودان إلى واحدة من أخطر مراحله التاريخية.



