اتفاق جوبا.. حين تحوّل قميص السلام إلى خرقةٍ لتقاسم الغنائم وإشهار الطلقة الثانية
بقلم: عمار سعيد

منذ أن وُقِّع اتفاق جوبا للسلام، بدا لكثيرين وكأنه محاولة لإطفاء حريق السودان بالمحاصصة لا بالمشروع الوطني، وبالترضيات السياسية لا بإعادة تأسيس الدولة على أسس العدالة والمواطنة. لكن الحرب التي اندلعت لاحقاً مزّقت الغطاء الذي كان يستر هشاشة الاتفاق، وكشفت أن ما جرى لم يكن سلاماً بالمعنى الحقيقي، بل هدنةً بين حلفاء الضرورة، لكل طرفٍ فيها حساباته وخنادقه ومخاوفه الخاصة.
لقد خرج الاتفاق عملياً من سياقه منذ اللحظة التي انهارت فيها الدولة المركزية، وتحوّلت الجغرافيا السودانية إلى خرائط نفوذ متنازعة، ثم جاء إخراج أحد أبرز الضامنين العسكريين والسياسيين للاتفاق من المعادلة بالقوة ليجعل الوثيقة نفسها أقرب إلى “أثرٍ بعد عين”، لا يملك من روحه سوى الحبر والتوقيعات والصور التذكارية.
ومع ذلك، ما تزال بعض الحركات المسلحة ترفع اتفاق جوبا كما يُرفع “قميص عثمان” في الفتن الكبرى؛ لا دفاعاً عن السلام، بل دفاعاً عن الامتيازات والمواقع والنفوذ. فالقضية هنا لم تعد قضية تنفيذ بنود أو حماية استحقاقات جماهير الهامش، بل صارت ـ في نظر قطاعات واسعة من السودانيين ـ معركة للحفاظ على “الكعكة” التي اقتُسمت تحت رعاية السلاح والضغط السياسي والابتزاز المتبادل.
وقديماً قال العرب:
“إذا اختلف اللصوص ظهرت السرقة.”
وهو وصف يكاد ينطبق بحذافيره على المشهد الراهن داخل معسكر سلطة بورتسودان؛ فالتناقضات التي كانت تُدار خلف الأبواب المغلقة خرجت إلى العلن عبر التصريحات المتبادلة، والتسريبات، والتلميحات التي تحمل في طياتها تهديداً أكثر من كونها رسائل سياسية عابرة.
لقد تحولت بعض هذه الحركات ـ وفق ما يتداوله مواطنون ونشطاء وإعلاميون على نطاق واسع ـ من حركات رفعت شعارات العدالة والتنمية إلى مراكز قوة اقتصادية وعسكرية تبحث عن التمويل والموارد بأي وسيلة. ومع تراجع حضورها العسكري في أجزاء واسعة من دارفور، وانشغال بعض قياداتها وشبكاتها بالاستثمار في التعدين الأهلي وأسواق الذهب في شمال وشرق السودان، تصاعدت شكاوى المواطنين من الجبايات، والرسوم غير الرسمية، واحتكار بعض السلع، والتضييق على المعدنين المحليين، حتى أصبحت هذه الممارسات مادة يومية في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه الحركات لم تعد تتحرك باعتبارها جزءاً من مؤسسة عسكرية موحدة أو مشروع دولة متماسك، بل كجزر نفوذ مستقلة، لكل منها حساباته الخاصة، وسلاحه الخاص، وخطابه الخاص، وهو ما يفسر حالة التوتر المكتوم مع قيادة الجيش والسلطة القائمة في بورتسودان، خاصة بعد تضارب المواقف بشأن الصلاحيات، والتعيينات، وتوجيهات رئيس الوزراء، إضافة إلى الرسائل السياسية المبطنة التي تصدر بين الحين والآخر من قادة مثل مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم، والتي تُقرأ داخل دوائر السلطة باعتبارها تذكيراً دائماً بأن “السلاح ما يزال في اليد”.
هنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل اقتربت “الطلقة الثانية” داخل معسكر بورتسودان نفسه؟
المشهد يوحي بأن احتمالات الصدام لم تعد مستبعدة، ليس بالضرورة في صورة حرب شاملة غداً صباحاً، ولكن عبر مراحل من التصعيد السياسي، ثم الأمني، وربما العسكري المحدود، إذا شعرت هذه الحركات بأن السلطة تسعى للتخلص منها بعد انتهاء دورها الوظيفي، أو إذا شعرت السلطة نفسها بأن هذه القوى باتت عبئاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً يهدد تماسك ما تبقى من مركز الدولة.
أطراف أي مواجهة محتملة لن تكون متطابقة تماماً مع خطوط الحرب الحالية، بل ستكون أكثر تعقيداً وتشابكاً:
• جناح داخل المؤسسة العسكرية والأمنية يرى أن استمرار نفوذ الحركات المسلحة يهدد احتكار القوة والقرار.
• حركات مسلحة تعتبر أن أي محاولة لتقليص نفوذها تعني نهايتها السياسية وربما الجسدية.
• شبكات مصالح اقتصادية نشأت خلال الحرب حول الذهب والتجارة والجبايات والنقل والمعابر.
• قوى إقليمية تراقب المشهد وتعيد تموضعها وفق موازين الربح والخسارة.
وفي الأدب العربي القديم، كان يقال:
“السيفان إذا التقيا في غمدٍ واحدٍ، فلا بد أن يجرح أحدهما الآخر.”
وهذا بالضبط ما يحدث اليوم؛ فكل هذه القوى دخلت الحرب متحالفة ضد خصم مشترك، لكنها لم تدخلها بمشروع وطني واحد، ولا برؤية موحدة لمستقبل السودان. ولذلك فإن لحظة ما بعد الحرب ـ أو حتى لحظة اختلال موازينها ـ قد تكون أخطر بكثير من لحظة اندلاعها نفسها.
إن ما يخيف كثيراً من السودانيين اليوم ليس فقط احتمال المواجهة القادمة، بل طبيعتها؛ لأن أي انفجار داخل هذا المعسكر سيكون هذه المرة صراعاً بين شركاء السلاح والغنيمة، لا بين خصوم تقليديين. وعندها قد يكتشف الجميع متأخرين أن اتفاق جوبا، الذي قُدِّم يوماً باعتباره بوابة السلام، لم يكن سوى هدنة مؤقتة فوق برميل بارود مؤجل الانفجار.


