مهند زامل يكتب: احاديث مناوي ذات روائح تزكم الأنوف

لقد اعتدنا في كل صباح ان يثبت لنا اركو مناوي، بان ليس لديه ادني علاقة بمشروع الثورة والتحرر الوطني، بل ظل خنجراً مسموم علي الثورة السودانية وعملية التغيير التراكمية التي انتظمت صيرورتها التاريخية البلاد منذ ازمان، ولكن مناوي وامثاله ظلوا دائماً يقفون في الجانب الخطأ من التاريخ. هذه ليست اول مرة يمتهن فيها هذا البهلوان صفة الخيانة والعمالة والارتزاق. فقد فعلها منذ ستة وعشرون عاماً. عندما برز اسمه للسطح في مؤتمر حسكنيتة او بالاصح (انقلاب حسكنيتة) في 28/ أكتوبر 2005، الذي يمكن ان يصنف بانه اكبر عملية خيانة حدثت في تاريخ دارفور الحديث. وذلك عندما أعلنت الثورة مشروع الكفاح المسلح في إقليم دارفور عبر حركة تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبدالواحد نور و الراحل عبدالله ابكر. فقد كان ميلاد الثورة في دارفور جزء رئيسي من سيرورة المقاومة السودانية الريفية ضد الحكومات المركزية المتسلطة. برز اسم مناوي في تلك الحقبة علي رأس احد التكتلات القبلية، مستقل جهل عناصر تلك المجموعات بمشروع الثورة. كما استفاد من غياب الرؤية التحررية الصارمة في بداية مشروع الثورة في دارفور. لقد مثل مناوي احد اكبر العناصر خطورة في تاريخ التحرر الوطني في دارفور، فهو الذي سنّ سنة (الانشقاق) والتي أصبحت لاحقاً احد أدوات الحكومة المركزية التي ظلت تستخدمها لخمد نار الثورة وتسويف قضايا الشعوب. مناوي هو المنشق الأول الذي استخدم الكيان المجتمعي لتحقيق أحلامه وطموحاته الشخصية، في تاريخ الكفاح المسلح في دارفور.
عند غياب الروي والاهداف يصبح الارتزاق حقيقة واقعية ماثلة لا خيال. بعد مؤتمر حسكنيتة وتداعياته التي من ضمنها اتفاقية ابوجا 2006 تحول اركو مناوي الي مرتزق محترف يجيد لغة الارتزاق جيداً، ومن حينها صنفه البعض بانه احدي العقبات الكبيرة التي تواجهة مشروع التحرر في السودان، وقد امتد ارتزاقه الي خارج الحدود حتي شمل دول الجوار وامتهن ذلك حتي صار للمهنة سماسرتها. ان وقوف مناوي الان في الجانب الخطاء من التاريخ، ذلك ليس جديدا وانما مواصلة في ذات النهج القديم الملئ بالسمسرة والخيانة والارتزاق، وتكفي مشاهد بورتسودان وصراعاتها حول المال والسلطة. مناوي لا يهمه ان يموت اهله في كل يوم، فهو الذي وضع يده مع الجلاد الذي قصف اهله بالبراميل المتفجرة وشردهم من قراهم ليظلوا في شتات اللجوء والنزوح والمنافي.
المضحك جداً والمبكي ايضاً، هو عندما يحاول مناوي ان يلبس جلباب الدولة المركزية.
وفي هذا السياق دعونا ان نوضح له شيً مهماً: ان الدولة بشكلها الحديث وحدودها الاستعمارية، قد بُنيت بمنطق الاخضاع والاستتباع كجزء من بنية الدولة الاستعمارية التي لم تتم سودنة بنيتها الداخلية منذ ميلادها، واكتفت فقط ببعض التغيرات الشكلية منذ خروج الانجليز في 56. وهذه البنية الداخلية في مكونها تنظر الي الريف وسكانه اشبه بمستعمرات مغلقة يتم الاعتماد عليها في انتاج المواد الخام والحبوب والعمالة الرخيصة. ولقد استمرت هذه البنية وتعمقت في جذور الدولة.
استغربت جداً عندما وجدت حديث اركو مناوي في فرنسا وهو يقسف ويسب مكونات سودانية اصيلة ظلت في مشهد الدولة السودانية الحديثة منذ ميلادها، واسهمت بشكل اكبر في اول عملية نضال وطني تحرري ضد الاستعمار التركي المصري. استغربت لان هذا الحديث تعودنا ان نسمعه من (عيال الدولة) أصحاب الامتيازات التاريخية الذين احتكروا العنف والمعرفة والاقتصاد، ولا يرون احقية احد غيرهم في التمتع بهذه الامتيازات. ولكن ان يأتي الحديث من اركو مناوي فهو امر مثير للسخرية!! فحتي الان لم يجف زبد ياسر العطا عندما قالها (يا تقاتلوا معانا ولا تمشوا محل جنسياتكم التانية) في إشارة واضحة لجماعات الحركات وعلاقتها بجمهورية تشاد الشقيقية. خيبة الامل الكبرى ان رجل مثل مناوي يدعي بانه حمل السلاح من اجل المهمشين في السودان، ولا يعلم ان المهمشين انفسهم لقد قسمتهم الحدود الاستعمارية في افريقيا، وقد ظلت هذه الحدود حدود سياسية بمفهومها القانوني فقط. وليست حدود ثقافية واجتماعية تحد من حركة السكان. اما الافندي ابن دولة الاستعمار يراها بما يمكن ان نطلق عليه (الحدود المتَّخيلة)، والتي يجسدها ياسر العطا في احاديثه. فاما صديقنا مناوي وهو يحاول ان يرتدي جلباب الدولة المركزية، ينطبق عليه المثل الشعبي (لابس ليهو صديري وعريان من طيooz).


