
حينما لا تقرأ التاريخ، ستُباع في مزادات نخاسة الوعي، وستكون فريسة للتضليل والتغبيش والاستهبال السياسي. لكننا، نحن الذين لم نعرف التراجع يوماً، نحن الذين لم نؤمن بغير التضحيات سبيلاً لأفكارنا، نقف اليوم شامخين كما وقفنا بالأمس، نحمل مشاعل الحرية وشرف التأسيس فوق جباهنا، غير آبهين بوعيد الطغاة، ولا خيانة المتخاذلين، ولا بيع صكوك الوطنية في سوق العبيد وتوزيعها للجبناء الباحثين عن وطن يعيشون فيه كالعبيد.
تحررنا من أوهام دولة المركز المنحازة، ومن كل الواجهات العسكرية والمدنية التي جثمت على صدور الشعوب السودانية منذ خروج المستعمر إلى يومنا هذا. لم نعد جزءاً من منظومة الهيمنة والظلم، بل نحن الآن قوة التغيير، نصنع التاريخ كما صنعناه من قبل.
١٥ أبريل ٢٠٢٣، ظنوا أنها ستكون نهاية وجودنا، لكنها في الحقيقة كانت ميلادنا الجديد. لقد منحونا مبرراً إضافياً للوجود، إما فوق الأرض أحراراً، أو تحتها شهداء شرفاء. فكانت انتفاضتنا، وكانت ثورتنا، وكان تحالف السودان التأسيسي، وكان دستور السودان الانتقالي للعام ٢٠٢٣، هديتنا إلى الوطن العزيز، هدية الشهداء إلى السودان الجديد.
إلى الأحرار والشرفاء…
إلى الذين لم يبيعوا ضمائرهم في أسواق المساومة الرخيصة،
إلى الذين لم ينحنوا تحت سياط الطغيان والاستبداد،
إلى الذين لا يزال السودان يسكن قلوبهم قبل أن يسكنوه،
إلى أرواح الشهداء التي ما زالت تهتف في ضمائرنا،
العهد باقٍ… والطريق واضح… والمعركة مستمرة…
كرري، شيكان، ومنواشي لم تكن صدى الماضي فقط، بل هي صوت الحاضر، صوت السيوف التي تطهر البلاد من دنس الخضوع والخوف والخنوع.
نحن هنا لنكتب سيرتنا الأولى مرة أخرى…
بدماء الشباب النشامى، بهتافات الحرية التي لن تخمد، في ذكرى التأسيس ١٧ رمضان، والاحتفاء احتفالا لتوقيع دستور السودان الانتقالي ٢٠٢٥، نؤكد للعالم أجمع:
نحن لا نموت، لكننا نتغنى ترفا (زايلي زايلي دنيا زايلي) بل نولد من جديد مع كل معركة، ومع كل شهيد، ومع كل جيل يؤمن أن السودان لن يكون إلا حراً، عادلاً، قوياً، متحرراً من كل أشكال الظلم والطغيان.



