مقالات واراء

جمهورية التخوين والمليشيات: البرهان يزرع حقول ألغام داخل معسكره

عمار سعيد

في السياسة قد تتحالف القوى المختلفة مؤقتاً، وفي الحروب قد تُفرض التحالفات اضطراراً، لكن ما يجري داخل معسكر بورتسودان تجاوز فكرة التحالفات إلى مرحلة “تجميع الخردة السياسية والعسكرية” دون أي مشروع حقيقي قادر على ضبط هذا الخليط المتفجر.

فالبرهان، الذي بدأ الحرب وهو يتحدث عن “جيش واحد وشعب واحد”، انتهى به الحال وهو يدير ما يشبه معرضاً مفتوحاً للمليشيات، حيث يمكن لأي شخص أن يدخل من الباب الخلفي مرتدياً زياً عسكرياً ليصبح فجأة “قائداً ميدانياً” أو “قوة مشتركة” أو “مقاومة شعبية” أو “كتيبة إسناد استراتيجي”، بينما لا أحد يعرف من يتبع لمن، ومن يقاتل مع من، ومن ينتظر لحظة الانقضاض على الآخر.

المشهد في بورتسودان لم يعد يشبه عاصمة حرب، بل صار أقرب إلى “سوق مواسير مسلح”، تختلط فيه الرايات، وتتضارب فيه الولاءات، وتتنافس فيه المليشيات على النفوذ والسلاح والمال والإعلام وحتى على حق احتكار الوطنية نفسها.

آخر صيحات هذا السيرك السياسي كانت استيراد المنشقين من قوات الدعم السريع وإعادة تدويرهم كأبطال جدد في معسكر كان قبل أيام فقط يصفهم بالخونة والمتمردين والإرهابيين.
فجأة، وبجرة كاميرا وبعض التصريحات الانفعالية، يتحول الشخص من “مطلوب للعدالة” إلى “قائد وطني”، ومن “مليشياوي” إلى “مناضل أعاد اكتشاف ضميره القومي”.

لكن المشكلة ليست في هؤلاء المنشقين أنفسهم، بل في البيئة التي يتم حشرهم فيها؛ بيئة مليئة أصلاً بالحركات المسلحة، وكتائب الإسلاميين، والمستنفرين، والمقاومة الشعبية، والجيوش القبلية الصغيرة، ومراكز النفوذ المتصارعة داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

كل طرف داخل هذا المعسكر يحمل مشروعه الخاص، وأحقاده الخاصة، وملفه الخاص، وسجونه الخاصة أيضاً.

ولهذا لم يعد السؤال:
“هل ستقع مواجهات داخلية؟”
بل أصبح:
“من سيطلق الرصاصة الأولى؟”

فالحرب الإعلامية داخل معسكر بورتسودان أصبحت أكثر سخونة من بعض الجبهات العسكرية نفسها.
وزراء يهاجمون ناشطين.
ناشطون يتهمون قادة بالخيانة.
إعلاميون يفتحون ملفات فساد ضد مسؤولين.
مسؤولون يردون ببلاغات جنائية.
وآخرون يهددون بالسجون والتصفية السياسية والإقصاء.

حتى الفضاء الإعلامي نفسه تحول إلى “غرفة عمليات حرب أهلية مصغرة”.
كل ليلة هناك تسجيل صوتي مسرب.
وكل صباح هناك قائمة تخوين جديدة.
وكل مساء هناك ناشط جديد اكتشف فجأة أن الوطنية لها سعر صرف مختلف في بورتسودان.

الأكثر إثارة للسخرية أن معسكر البرهان أصبح يبتلع تناقضاته بسرعة قياسية.
الإسلامي الذي كان يهاجم الحركات المسلحة صار يجلس معها في منصة واحدة.
والحركة المسلحة التي كانت تصف الجيش بأنه أداة للنظام القديم أصبحت تقاتل تحت رايته.
والناشط الذي ظل سنوات يشتم الإسلاميين صار يبرر وجودهم باعتبارهم “ضرورة وطنية”.
ثم يخرج الجميع مساءً في القنوات الفضائية للحديث عن “المشروع الوطني الجامع”!

أي مشروع جامع هذا الذي يحتاج كل صباح إلى بلاغ جنائي جديد حتى يستمر؟

المشهد كله يبدو كمن يحاول إطفاء حريق محطة وقود باستخدام البنزين.
فكلما شعر البرهان باهتزاز موقعه، لجأ إلى صناعة قوة جديدة لموازنة قوة قديمة، دون أن يدرك أن هذه القوى نفسها تتحول تدريجياً إلى قنابل موقوتة.

إنه نموذج حكم يقوم على إدارة الخوف بالتوازنات الهشة، لا على بناء مؤسسات حقيقية.
ولهذا تتكاثر المليشيات كما تتكاثر الشائعات، وتتوسع دائرة التخوين كما تتوسع تجارة السلاح، بينما يتآكل ما تبقى من الدولة وسط هذا الضجيج.

وفي النهاية، يبدو أن أخطر ما يواجه معسكر بورتسودان اليوم ليس خصومه في الميدان، بل “حلفاؤه” داخل المعسكر نفسه.

فحين تجمع كل المتناقضات داخل غرفة واحدة، وتغلق الباب، وتوزع السلاح على الجميع، ثم تطفئ الأنوار…
فأنت لا تصنع دولة، بل تجهز مسرحاً لمذبحة مؤجلة، لن يعرف فيها أحدٌ من القاتل… ومن المقتول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى