
الدولة مؤسسة انسانية قديمة؛ يرجع عهدها إلي المجتمعات الزراعية الأولي التي نشأت في بلاد مابين النهرين، قبل حوالي ستة آلاف عام. أما الدولة الحديثة فيرجع تاريخها إلي فترة توطيد حكم الأنظمة الملكية الفرنسية والإسبانية والسويدية قبل أربعمئة أو خمسمئة عام “فرانسيس فوكاياما؛ بناء الدولة”. والدولة الحديثة مهما كانت هي هيئة بشرية تحتكر العنف المادي والرمزي في بقعة جغرافية محددة “تايلر وبورديو”.
بناء الدول منذ ظهور الشكل القديم للدولة (السلطنات، الممالك، والإمبراطوريات) ارتبط بمفهوم الأمة Nation؛ والتي جابهتها الأنظمة القديمة بالتوفيق بين الكيانات القبلية المكونة للمملكة أو الإمبراطورية في الإطار الكلي لفدرالية المكونات “الفدرالية القبلية” لكن بعد ظهور الإيديولوجيات الدينية تصاعد الأمر إلي تخيُّل الأمم “راجع بندكت أندرسون؛ الجماعات المُتخيلة” وأصبح مفهوم الأمة ذا إرتباط وثيق بالإشتراك في”الجد، الثقافة، اللغة، التاريخ، والرقعة الجغرافية” ومع إعتبار التنوع البشري وقفت تلك الإيديولوجيات البائدة في عقبة التوفيق بين التنوع البشري والإنسجام. فما كان من تلك الإيديولجيات إلا التبرير لوحدة البشرية إنطلاقاً من مفاهيم بعينها (آدم أبو البشرية لمعالجة إشكال الجد المشترك، توحيد السوق اللغوية والثقافية بإعتماد لغة وأديان وطوائف المسيطرين، وملكية الأرض للخالق الذي يمثل الحُحام مشيئته وجبروته …الخ) وبذلك وقعت في فخ محاربة التنوع الثقافي واللغوي والديني عبر نظرية بوتقة الإنصهار Melting pot التي تجلت بشكل كارثي بعد معاهدة وستفاليا في 1648 وبناء الدولة الحديثة “الرأسمالية البرجوازية”.
نحن في السودان ورثنا دولة إستعمارية؛ فرض حدودها المُستعمر التركي المصري بغرض نهب الثروات وإستتباع الشعوب السودانية المُتباينة ثقافياً والمُختلفة من حيث مراحل تطورها التاريخي “إستتباعها” لأمة مُتخيلة هي “الأمة الإسلامية” وعقب سقوط الإمبراطورية العثمانية تراجع خطاب الأمة الإسلامية لصالح توجه عروبي يمجد “الأمة العربية” وفي غضون ذلك ظهر إتجاه ثالث تناول في تنظيراته “الأمة السودانية – راجع د. خالد حسين الكِد؛ ورقة، الأفندية في السودان” ووجد الصراع الفكري بين الأفندية والمثقفين طريقه إلي تشكيل اتجاهات في الواقع الإجتماعي مما كان له التأثير الكبير علي ظهور قضية الهُوية في حلبة الصراع السياسي وهوية الدولة السودانية.
وظلت قضية الهوية ومفهوم القومية في السودان محل صراع؛ لم يفلح أحد المثقفين أو المُنظرين السودانيين في وضع القضية في سياقها الصحيح من التداول إلا بعد ظهور الحركة الشعبية لتحرير السودان وزعيمها الراحل د. جون قرنق “راجع د. الواثق كمير، تحرير، قرنق رؤيته للسودان الجديد وإعادة هيكلة وبناء الدولة السودانية”. حيث وضع المُفكر قرنق الوصفة السليمة لمفهوم القومية والأمة السودانية خارج إطار الجدل العقيم لأفندية ومثقفي دولة (56) بطرحه لمفهوم السودانوية Sudanism؛ وهي رابطة سودانية تتكون من التنوع التاريخي والمعاصر للوجود الإجتماعي الراهن في السودان وذات روابط؛ ثقافية جغرافية في بنية وحدتها الأفريقية، وأخري إنسانية كونية ضامة للجنس البشري.
حيث يتعلق بناء (الأُمة – Nation) بثلاثة مظاهر أو أطوار؛ الأول، إعادة الإعمار في فترة ما بعد – النزاع المُسلح، وينطبق علي دول تخرج لتوها من نزاع عنيف كأفغانستان والصومال وكسوفو، حيث انهارت سلطة الدولة تماماً وكانت بحاجة إلي عملية إعادة بناء من القاعدة إلي القمة. أما المرحلة الثانية يتركز الهدف الرئيس علي إقامة مؤسسات حكومية قادرة علي البقاء والإكتفاء الذاتي. وأخيراً المظهر الثالث؛ يرتبط بتقوية الدول الضعيفة التي لا تزال سلطة الدولة فيها قائمة ووطيدة إلي حدٍ معقول لكنها غير قادرة علي القيام ببعض الوظائف الضرورية مثل حماية حقوق الملكية وتقديم الخدمات مثل التعليم أو حكم القانون ك”البيرو والمكسيك – فوكاياما؛ بناء الدولة”.
نحن في تحالف السودان التأسيسي؛ لا نعترف بوجود تلك الدولة القائمة في جيوب محدودة نستهدف تحريرها وكنس آثارها، وبالتالي ينبغي أن ننتهج المظهرين أو الطورين الأول والثاني في بناء أمتنا السودانية القائمة علي الإعتراف بكل المكونات القبلية/الثقافية/الدينية والإثنية إنطلاقاً من نظرية التعددية الثقافية Multi-culturalism؛ عبر نظرية “السودان الجديد – الوحدة في التنوع Unity in Diversity” لمعالجة جراحنا الوطنية التاريخية العميقة وتضميدها بصيانة وحدة نسيجنا الإجتماعي المتنوع داخلياً وفتح الآفاق نحو وحدة أفريقية أصيلة، في إطار تكامل إنساني عالمي. ويا أولاد العباس المُنبتين “لصيق الطين في الرجلي ما ببقي نعلي”.
سودان جديد يتقدم
النضال مستمر …



