مقالات واراء

اما حكاية ! عرق المحبة

إيهاب مادبو

“بشاغلهم بعيونى

بريد البريدونى
انا ببكى بدمعة
عشان خاطرك ياسمعة”

تُشير عقارب الساعة، الى تمام الرابعة عصراً بتوقيت خريف كادوقلى الممطر، وهو موعد بداية الحفل الذى سوف تقدمه فرقة موسيقي الشرطة ذات الاداء الرائع، واحيانا “الإ تجال” في تأليف مقاطع موسيقية من إيحاء الطبيعة المحرّضة للفن والإبداع.

وكادوقلى فى تلك الفترة، كانت عبارة عن رحماً للإبداع، تكورت بداخله جميع انواع الفنون(غناء، مسرح،شعر،تشكيل ونحت،رياضة)، بل انه حتى مجانينها كانوا بتصرفاتهم يقدمون إبداعاً،وفى ذلك المساء ارتفع صوت “رقية”عالياً ليلامس غيوم تلك الليلة الموعودة بليلة “دخلة” فسرت تفاصيلها تلك المناخات التي يكون فيها يوم الخميس”منتصباً” بمحازاة تلك الأبخرة المتصاعدة من كل البيوت،ووقتها لايعرف الطلح اجابة لتساؤلاتنا شغب الطفولةعن حوار الجسد والروح.

رقية كانت فاتنة الجمال، وتمتلك صوتا آسرا وجميلاً بروعته، فهي تُجيد اغاني الدلوكة في تلك الفترة من ازمنة مدينة كادوقلي، وتحديدا في منتصف الثمانينات، حيث كانت المدينة مسرحاً للثقافة والفنون والسياسة، ورقية حينما تغني فإنها “تتقمص” شخصية متمردة علي كل التقاليد ، حيث تشيد لنفسها فضاءً ترقص بداخله طربا وكأنها تغني لنفسها اولا لتطربها، ثم تمتع شجونها حتي الثمالة، لتعجن الفرحة بالدهشة.ط، وكنا حينها نسترق السمع لصوتها المتدفق شجونا وآلاماً.

حبيبى تعال .. تعال نتلم
مادام الريد اختلط بالدم
انا ذنبي ايه شيلونى الهم

وصوتها المتسربل، يخبئ بداخله حكايات تعكسها صرختها المدوية بصورة هستيرية حينما تعلن للجميع بشكل مفاجئ عن حبيب الروح،والحب فى تلك الفترة ليس من (جنس) الفعل، بل هو لحن يترجم الحان الجمال الي معاني وأُغنيات، والحبيب فى كثير من تصورات تلك الاغنيات، هو صوت تهمس به الحناجر حينما يرتفع إيقاع الدلوكة ليعانق عنان السملء.

وقتها كانت تتخطفنا الامنيات، باختراق جدار الصمت والصدود والعناد لمراسيل شوقنا التى حملتها خطابات الحب ذات العبارات المنمقة،وكثيرا من كان يأتى الرد بنظرة تحمل دلالات تعبر عنها إماطة الشفاة لاعلى ثم أسفل ثم يعقب ذلك هزة كتف مع غمضة عين،لم نيأس بعد فبرغم ماتحدثه بدواخلنا تلك الحالة الا إن عزيمة الحب كان اقوى من احتمالات هبوط القمر ارضا ليستلف من نور عيونهن ضياء لنوره.

كنا الثلاثة (يوسف ثم يوسف ) وكنت بينهما (ايهابا) تتوسد تفاصيل حيواتنا،مغامرات الحب وعوالمه،فشلت كل خطاباتنا التي كنا نرسلها وماحملته من عبارات احيانا تعيد الحياة للأموات بداخل القبور، واخرى عبرت حدود جغرافية الحب لخارج حدود الزمان والمكان.

في حي كليمو كانت هناك ثلاث فتيات، وكأنهن خلقن لوحدهن،او قذفت بهن السماء نحو الارض، كُن فى غاية الجمال والروعة الممزوجة بغنج النواعم، وكان لكل واحد من ثلاثتنا إسم منحوتا بجدار قلبه، ينبض به حباً وجمالاً يفوق حد التصور والإحتمال، وفى ذات مساء من امسيات كادوقلى الحالمة بالامنيات، قرر يوسف ان يضع حدا لتلك المأساة التى نعانيها تجاه ثلاثتهن(س) و(م) و(ن)، فبينما كنا نستعد لهذا اليوم باجمل موضات بناطلين (البوكى) وقميص مارادونا، جاء صوت رقية منسابا كما الماء ليؤذن فينا ان حيا الى الروعة والحب والجمال، وحينها نحن نستعد بداخل ديوان يوسف او”خلوته”،وهى عبارة عن “مربعة”_ نصف الأوضة_ ولكنها معروشة بسقف من القش وقد تعطرت كل الامكنة بما صنعته باريس من عطور، وبينما نحن كذلك فى الترقب والاحتمال دخل علينا يوسف وفي يده (عرق) نباتى ملفوف بعناية تامة مع وصفة سحرية لطريقة استعماله

-تعرفوا انا الليلة، ح اجيب ليكم خبر البنات ديل؟؟
-كيف.. قلناها بصوت واحد بعد ان الجمتنا الدهشة!
– مشيت للفكى “ابوسروال” وادانى عرق محبة وقال لى لما تشوف حبيبتك امضغ العرق دا وقول اسمها .. وطوالى بتحبك!

حبيبى تعال نتلم
مادام الريد اختلط بالدم

هكذا بصورة مفاجئة بدأ يوسف يترنم وكأنه قد امتلك مفتاح السر لاختراق قلب(م)،اخذ كل منا جرعته بحسب ماحدده الفكى، وطريقة استعماله ثم ذهبنا الى الحفل بانتظارهن على أمر من طعم العرق.

ساعات مابين الترقب التى يصنعها ذلك العرق بمجهود تكفلت به اسناننا، اخذ كل منا موقعه بعيدا عن الاخر حتى يستحوذ على مساحات عشقه المكبوت ونشط الخيال فى رسم مشهد اللقياء على كتف حمولة الفكى ابوسروال ثم فجأة قطعن شرودنا بطلتهن البهية وهن يقدلن كما الحمام،اتخذ كل منا مهمته فى استعمال الروشته بعناية فائقة كجرعة مريض استعصي عليه الألم.

(س)،هكذا بدأت اردد فى اسمها بحسب تلك الوصفة وانا اترقب استجابتها السريعة،وكل منا بدأ فى استعمال وصفته، ياااااا(س)ارتفع صوتى قليلا بمحازاة ماتصدره اسنانى من اصوات لعملية “المضغ”.

انتبهت(س) لما اردده وحينها كنت فى حالة اللاوعى، حيث إنني قد استسلمت تماما لتلك التفاصيل، اشارت الى بأصبع السبابة وهى تضعه باتجاه صدرها قائلة(انا) مع رفع حواجب رموشها لاعلى ثم كررتها مرة اخري،

انا……!

لم اجاوبها، وتركت للمفعول السحري سر الاجابة، تقدمت نحوي خطوات وتقدمت اليها امنياتي بالإحتضان،واتسع الخيال وشعرت بأن الارض قد سحبت من بين ارجلى اقتربت منى كثيرا، ياااااااا الله،وانا مابين الترقب والاحتضان،ثم وقفت امامى الرأس بالرأس وصدرى يهتف بالعناق
و(طاااااخ)!!، عالجتنى بصفعة على وجهى مع حركة شفاه لاعلى ثم اسفل وهزة كتف تأكيدا لانتصارها فى معركة الاوهام.

استدرت فجأة ليوسف الذي بدأ مذهولاً متسائلاً؟؟؟
-انت متأكد يايوسف الفكى ابوسروال دا اداك عرق محبة ولا(كف)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى