مقالات واراء

المطلوبون للعدالة الدولية هل يقوِّضون شرعية بورتسودان

أحمد كدك – المحامي

“من يمثل السودان في الأمم المتحدة؟ معركة المقعد بين الشرعية والواقع”

الثابت بشواهده في مأساة الحرب السودانية المستمرة، لم يعد النزاع محصورًا في الميدان أو بين المؤسسات المحلية، حيث بدأت حرب أخرى حول شرعية مقعد السودان في الأمم المتحدة.

ومع تزايد الحديث عن لجنة الاعتماد التي تبتّ في أوراق المندوبين، يطرح سؤال جوهري: كيف ستؤثر صورة حكومة بورتسودان باعتبارها مظلة لتيارات إسلامية متشددة وملاذًا (محصن بالقوانين) لقيادات مطلوبة للعدالة الدولية على قرارات المجتمع الدولي وعقوباته المتصلة؟

ولجنة الاعتماد تتألف من تسع دول وتُعيَّن مطلع كل دورة، وتمثل القارات الأساسية: إفريقيا، آسيا، أوروبا الشرقية، أمريكا اللاتينية، وأوروبا الغربية/أخرى. هذه اللجنة ليست جهازًا إداريًا شكليًا، ولكنها تعكس تأثير التوازنات السياسية العالمية في قدرتها على فحص أوراق الاعتماد ورفع تقريرها للجمعية العامة بالقبول أو الرفض أو التأجيل.

الصورة الحقوقية والسياسية لحكومة بورتسودان ليست محايدة، بل مقلقة، حيث يحيط المجتمع الدولي بها الشك. سيطرة الإسلاميين المتشددين وكتائب جهادية على المشهد السياسي–الأمني، حماية قيادات النظام السابق (بعضهم مطلوب أمام المحكمة الجنائية الدولية)، رفض فرص السلام واستمرار الحرب كخيار وحيد، وإجراءات تمييزية ضد سكان غرب السودان بحرمانهم من الوثائق والحقوق الدستورية والمدنية، كلها عوامل تقوّض أهليتها التمثيلية.

الأدلة الميدانية عديدة: تقرير بعثة الأمم المتحدة المستقلة (سبتمبر 2024) اتهم الطرفين بارتكاب جرائم حرب، لكن بورتسودان واجهت انتقادات خاصة لتوفيرها ملاذًا للقيادات المطلوبة، وتغذية حرب شاملة امتدت إلى 14 ولاية من أصل 18. منظمة “هيومن رايتس ووتش” وصفت 2023–2024 بأنه “عام هائل من القمع والانتهاكات”، بما في ذلك استهداف المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.

كما سُجل “عنف جنساني واسع” مع حالات اغتصاب جماعي واحتجاز قسري، وحذرت منظمة العفو الدولية من تهديد حياة المدافعين عن حقوق الإنسان والأطباء والإغاثيين. أكثر من 8 ملايين نازح و2.5 مليون لاجئ في دول الجوار، مع انهيار نصف المرافق الصحية والتعليمية، ما يجعل الأزمة مصدر قلق إقليمي.

في قراءة أعضاء لجنة الاعتماد، القوى الغربية مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وكندا وأستراليا تعتبر ملف التطرف وحماية المطلوبين مادة قوية للرفض أو التأجيل تحت عنوان مكافحة الإرهاب وحماية النظام الدولي. روسيا والصين، رغم تحفظهما على خطاب الإرهاب الغربي، تتحسسان من أي جهة توفر ملاذًا لمطلوبين دوليين، ما يدفع غالبًا إلى خيار التأجيل.

أما المجموعة الإفريقية والعربية، فتعد ساحة كسب رئيسية؛ إذا اقتنعت بأن بورتسودان تهدد الاستقرار الإقليمي، فالأرجح أن تختار الحياد أو الامتناع، ما يضعف وفد بورتسودان عمليًا.

مشروع التأسيس يمتلك فرصة لتقديم نفسه كبديل، شريطة قدرته على إدارة ملفه بحكمة من نواحي قانونية وسياسية وإقليمية: تقديم أوراق اعتماد موقّعة من وزير خارجية رسمي وفق المادة (27)، تحويل ملف التطرف والمطلوبين إلى قضية أممية عبر مذكرة قانونية–حقوقية تبرز تناقض بورتسودان مع التزامات الأمم المتحدة، وبناء تحالف مع الاتحاد الإفريقي والإيقاد والجامعة العربية لإبراز أن بورتسودان تهدد الاستقرار بينما يقدم التأسيس خارطة طريق للسلام.

قضية الشرعية في بورتسودان تتعدى السودان إلى المحيط الإقليمي، إذ إن وجود قيادات مطلوبة للعدالة الدولية تحت حماية رسمية يفتح الباب أمام تدفقات سلاح وتمويل عابر للحدود، وهذا ما تعززه قرارات الخزانة الأمريكية الأخيرة ضد جماعات مثل “كتيبة البراء بن مالك”. النزاع السوداني أصبح مصدرًا لتقوية جماعات مسلحة في تشاد، وزيادة تهريب السلاح عبر حدود ليبيا غير المستقرة، وتهديد تماسك أفريقيا الوسطى. السوابق الدولية تثبت أن الأمم المتحدة تنظر إلى الأثر الإقليمي الأوسع، لا مجرد السيطرة المحلية: ليبيا (2011)، أفغانستان، رواندا (1994) كلها أمثلة على دور المخاوف الإقليمية في قرارات لجنة الاعتماد ومجلس الأمن.

الشرعية مقابل الخطر الإقليمي: هذه السوابق تذكّر أن الأمم المتحدة تقيم الطرف السياسي وفق عامل الاستقرار الإقليمي؛ وحكومة بورتسودان، المرتبطة بقادة مطلوبين ومتطرفين يرفضون السلام، أقرب إلى “خطر إقليمي” منها إلى سلطة شرعية. وجود هؤلاء الإسلاميين في صدارة المشهد يقوّض شرعيتها الأممية ويضعها في خانة التناقض مع الحرب على الإرهاب والعدالة الدولية.

النتيجة الفورية قد لا تكون اعتماد وفد التأسيس بالضرورة، بل الأرجح منع بورتسودان من تثبيت تمثيلها بشكل مريح، وفتح باب التأجيل المتكرر كسلاح سياسي، ومنح حكومة التأسيس فرصة لبناء ملف إيجابي قائم على السلام والحقوق والشرعية الشعبية. وكما قال نيلسون مانديلا: «الشرعية الحقيقية لا تُقاس بالسلطة التي تمارسها الحكومات، بل بالكرامة التي توفرها لشعوبها.»

السؤال الآن:
هل ينحاز المجتمع الدولي إلى سلطة أمر واقع مرتبطة بالتطرف والمطلوبين، أم يفتح الباب لمشروع جديد يقوم على السلام والحقوق والمشاركة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى