مقالات واراء

المؤتمر الوطني المحلول يلفظ أنفاسه

لنا مهدي

قرار السلطات في بورتسودان بإجبار إبراهيم محمود حامد رئيس المؤتمر الوطني المحلول على مغادرة البلاد يعكس تعقيدات المشهد السياسي في السودان إذ يأتي ذلك في ظل تصاعد الخلافات داخل الحزب المحلول الذي فقد سلطته بعد الثورة السودانية حيث أصبحت صراعات القيادة داخله تعبيراً عن التنافس بين تيارات تسعى لإعادة التموقع في الساحة السياسية رغم القيود المفروضة عليه. انتخاب أحمد هارون المطلوب دولياً رئيساً للحزب من قبل هيئة الشورى أضاف بعداً جديداً للأزمة خاصة مع التشكيك في شرعية هذه الهيئة من قبل تيار إبراهيم محمود ما يعكس انقسامات عميقة تهدد بتمزيق ما تبقى من الحزب.

الحرب أيضاً أحد أسباب الخلاف الجذري؛ فدكتور إبراهيم غندور أحد أبرز قيادات المؤتمر الوطني المحلول، يشير بشكل واضح إلى أن تيار علي كرتي القيادي البارز في الحركة الإسلامية هو من أشعل فتيل الحرب الحالية في السودان؛ لأنه يرى أن الحرب أداة استراتيجية لإعادة تموضع الإسلاميين في المشهد السوداني بعد الإطاحة بهم إثر ثورة ديسمبر 2019. تيار كرتي المعروف بتوجهاته الصدامية يعتمد على عناصره بداخل القوات المسلحة وبعض المليشيات الإقليمية لضمان استعادة النفوذ حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار البلاد ومستقبلها.

هذا الاتهام يعكس التوترات العميقة داخل الحركة الإسلامية نفسها حيث يرى غندور أن نهج كرتي يدمر فرص الإسلاميين في العودة بشكل سلمي وديمقراطي ويضر بسمعة الحركة محلياً ودولياً . غندور، الذي يمثل تياراً أكثر اعتدالاً داخل الإسلاميين، يعتبر أن إشعال الحرب يهدد وحدة السودان ويضعف فرص أي مصالحة وطنية شاملة.

هذه الخلافات تظهر أن الحركة الإسلامية لم تعد كياناً موحداً بل أصبحت ساحة لصراعات شخصية واستراتيجيات متناقضة تعكس افتقارها إلى رؤية موحدة تتناسب مع التحولات الجذرية التي يمر بها السودان.

ولنذهب أبعد من ذلك؛ فدكتور علي الحاج الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي صرح أنه وإبان فترة سجنه قبل الحرب عُرضت عليهم فكرة إشعال الحرب ورفضوها؛ وكان ذلك في معرض محالات توحيد المؤتمرين الوطني والشعبي.

هذه التطورات ليست منفصلة عن السياق العام الذي يمر به السودان حيث تعيش البلاد حالة من الانقسام السياسي والأمني الحاد فالمؤتمر الوطني المحلول رغم كونه فاقداً للشرعية السياسية فلا يزال يحمل تأثيراً على بعض التيارات والجماعات التي ترى فيه ممثلاً لمصالحها وهو ما يفسر استمرار الخلافات الداخلية ومحاولات بعض القيادات البقاء في المشهد السياسي بأي ثمن؛ ولكن مغادرة إبراهيم محمود وبعض أعضاء المكتب القيادي تظهر أن الضغوط الأمنية والسياسية قادرة على تفكيك الكيانات التقليدية التي كانت مهيمنة في الماضي خاصة عندما تضاف إلى الأزمات الداخلية التي تواجهها هذه الكيانات.

بالتوازي..يمكن قراءة هذا التطور كجزء من استراتيجية أوسع للسلطات السودانية لتقليص النفوذ السياسي والرمزي للحزب المحلول وضمان عدم تحوله إلى قوة معارضة تعيد تدوير رموز النظام السابق على حساب الجيش ومليشياته؛ كما أن اختيار عمان كمحطة مغادرة قد يشير إلى رغبة في منح هؤلاء القيادات مساحة لإعادة ترتيب صفوفهم بعيداً عن الضغوط الداخلية ما يفتح الباب أمام احتمالات جديدة قد تؤثر على مستقبل السودان السياسي.

هذا المشهد يبرز مدى تعقيد التوازنات السياسية الراهنة في ظل غياب مشروع وطني جامع يمكن أن يحسم الصراعات بين التيارات المختلفة.وما يفاقم الأزمة داخل المؤتمر الوطني المحلول هو التناقض الواضح بين تياراته الداخلية؛ حيث يواجه تيار أحمد هارون الذي يركز على استعادة نفوذ الحزب بأي وسيلة معارضة شديدة من تيار إبراهيم محمود الذي يحذر من الانقسامات التي قد تقود إلى تفكك الحزب بالكامل.

هذه الخلافات تعكس صراعًا أعمق حول الهوية السياسية للحزب ومستقبله خاصة في ظل التغيرات الجذرية التي طرأت على المشهد السياسي السوداني بعد الثورة؛ كما أن دخول أسماء مثيرة للجدل مثل أحمد هارون المطلوب دولياً لاتهامات بارتكاب جرائم حرب يعقد محاولات الحزب لاستعادة أي شرعية شعبية أو سياسية ويزيد من عزلته داخل وخارج السودان خاصة مع التركيز الدولي على محاسبة رموز النظام السابق.

من منظور آخر؛ فالصراع داخل تيارات المؤتمر الوطني المحلول لا يمكن فصله عن الديناميكيات الكبرى التي تحكم الحركات الإسلامية العالمية وعلى رأسها التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. فالحزب الذي كان يمثل الذراع السياسي للحركة الإسلامية في السودان تأثر عميقاً بالخلافات الأيديولوجية والاستراتيجية التي تعصف بالتنظيم العالمي منذ سقوط العديد من أنظمته الحليفة في المنطقة.

وانقسام قيادات المؤتمر الوطني بين تيارات تسعى للتكيف مع الواقع الجديد عبر إعادة تدوير خطابها السياسي وأخرى متمسكة بنهجها القديم رغم خسائرها يعكس الخلافات العالمية بين تيارات الإخوان حول الاستراتيجيات المستقبلية سواء بالاندماج في المشهد السياسي المحلي أو التمسك بالنهج التقليدي القائم على التنظيم السري والعمل المعارض.

هذا الصراع الداخلي يبرز بشكل خاص في كيفية إدارة المؤتمر الوطني لموروثه السياسي وعلاقته بالحركة الإسلامية في السودان التي تراجعت مكانتها بفعل العزلة الشعبية والضغوط الدولية؛ تيار أحمد هارون يميل للارتباط بالتنظيم العالمي واستغلال الدعم الخارجي لإعادة بناء الحزب كمشروع عابر للحدود؛ في حين يركز تيار إبراهيم محمود على الحفاظ على المكتسبات الداخلية ومحاولة استقطاب قواعد الحزب السابقة عبر خطاب أكثر مرونة. هذه التناقضات تجعل المؤتمر الوطني نموذجاً للصراع بين رؤى الحركات الإسلامية العالمية التي تواجه أزمة وجودية تتطلب إعادة تعريف دورها في عالم متغير وبين الطموحات المحلية التي قد تضحي بعلاقاتها الدولية في سبيل البقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى