الجميل الفاضل يكتب من نيالا: يوميات “البحير” (5): هنا، عاصمة تطهي علي نار هادئة؟!

رهانان متقاطعان، ليس بينهما بُعد المسافة فحسب، رهان بحرٍ يغازل الموانئ ورهان سهل يحدّق في الجبال.
من على ساحل البحر الأحمر، تسعى بورتسودان لملء فراغ الخرطوم بزعم أنها الوريث الطبيعي للدولة.
لا ترغب في مراجعة أخطائها، بل ولا تقدر على القطيعة مع أمسها، تحاول إعادة تدوير الماضي بأدوات بالية لا تسمن ولا تغني من جوع.
تستعجل اعترافا إقليميا ودوليا، تحشد له كل ما بيدها من بقايا أوراق السودان القديم، عبر علاقاتها الخارجية وأحلافها التقليدية، ومن خلال ما تبقي من هياكل أجهزة للدولة أكل عليها الدهر وشرب، متشبثة برمزية موقع كان في يوم ما مركز قرار.
إنها تفعل الآن الممكن والمستحيل لاستعادة مقعد السودان الأفريقي دون خروج فعلي من عباءة انقلاب 25 أكتوبر، ومن غير تلبية لشروط تشكيل سلطة انتقالية مدنية كاملة تؤسس لتحول ديمقراطي حقيقي.
في المقابل، تقف نيالا، التي لا تملك موانئ ولا سفارات، لكنها تملك ما هو أثمن: شرعية تُولد من العمق ومن الداخل، من الناس، من الساحات المكتظة، من الجراح المفتوحة، ومن توق الشعوب المغلوبة علي أمرها إلى صيغة حكم بمقاس أحلامها.
لا تلهث نيالا خلف إعتراف دولي خاوي، بل تسير بثبات صوب إعتراف داخلي مرضي، يعيد تعريف الشرعية كعلاقة أفقية بين المجتمع ومؤسساته، لا كميراث يُتناقل بين النخب.
تبدو نيالا كما لو أنها تطبخ عاصمتها على نار هادئة، بلا صخب، لكن بإصرار.
تؤمن أن القوة الجماهيرية وحدها هي التي تصنع مركزًا حقيقيًا، وأن من لا ينبت من الأرض لا يمكنه أن يحمل دولة.
عموما فبين بورتسودان ونيالا تكمن هذه المفارقة:
مفارقة من يراهن على الخارج ليستعيد ما مضى، ومن يراهن على الداخل لتبني ما سيأتي.
ما يحدث اليوم ليس مجرد تنافس بين مدينتين، الاولي لا زالت تتمسك بشرعية توافقية أنتجتها ثورة، قبل أن يجهضها انقلاب، وقبل أن تقبرها تماما حرب.
علي أية حال، فإن ما يحدث هو تعبير عن تحوّل جذري في طبيعة السلطة، وتفكك تدريجي لمركز ظل لستة عقود هو الآمر والناهي، وهو المانح والمانع.
لكن المؤكد الآن هو أن نيالا لا تطلب اليوم إذنا من أحد، بل تفعل بإرادتها الحرة ما تستطيع أن تفعل.
فيما لا تصنع بورتسودان شيء، سوي ان تنتظر إذنا من الخارج الأرجح ألا يأتي، وهنا مكمن الفرق.
المهم فالسؤال الأخطر: هل ما زالت وحدة السودان مرهونة باستعادة هذا المركز المنهار؟.
أم أن المستقبل سيُكتب لا محالة من هذه الأطراف القصية، وأن الخارطة سيعاد رسمها هذه المرة علي خطوط النار وبالدم؟.



