مقالات واراء

مؤتمر برلين بين كثافة التدويل ومحدودية الحلول السياسية

الباحث الاكاديمي دكتور/ ابراهيم الضي

إنعقد يوم ١٥ أبريل في برلين العاصمة الالمانية مؤتمر حول الأزمة السودانية ، وسط حالة من الترقب الشديد لوقائع و مخرجات المؤتمر ، مما يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بالأزمة ، وكذلك الآمال الكبيرة المعلقة عليه وذلك لإرتباطه بقضايا مصيرية مثل قضايا الأزمة الإنسانية و تداعياتها ، وقدرة الفاعلين الدوليين على فرض أو إقرار هدنة إنسانية يمكن أن تؤدي مستقبلا إلي وقف النزاع ، مرونة القوى المدنية و قدرتها على التفاعل و التوصل الى رؤية مشتركة ودور كل ذلك في إعادة ترتيب موازين القوى ، كل ذلك جعل أن تكون النتائج المحتملة ذات أهمية و ذلك لما لها من تأثير مباشر على الإستقرار الأمني ، السياسي و الإجتماعي.

إنقسم المهتمين بأمر المؤتمر إلي فئتين ؛ فئة متفائله بالغت في سقف توقعاتها ، تراهن على حدوث إختراق سياسي، مثل إقرار هدنة إنسانية أو خارطة طريق واضحة المعالم لإنهاء الحرب. و فئة ثانية ذات توقعات متشائمة ، تستند في ذلك على تجربة المؤتمرات السابقة مؤتمر باريس و مؤتمر لندن حيث فشلت تلك المؤتمرات في تحقيق نتائج ملموسة ، وذلك بسبب تضارب المصالح الدولية ، بالإضافة إلي تغييب المجموعة المنظمة لمؤتمر برلين لطرفي النزاع.

فنتائج أي فعل سياسي لا تتحدد فقط داخل القاعات ، فإنها تتأثر بعوامل أخرى أكثر أهمية ، كموازين القوى على الأرض وحجم التدخلات الإقليمية والدولية ، و درجة التوافق بين الأطراف المعنية بتقديم مبادرات الحلول.

فإن إطالة أمد الحرب و تداخل الأبعاد الداخلية مع التدخلات الخارجية و الإقليمية أدي إلي تعقد مسارات الحل وأدخل البلد في واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في تاريخها الحديث.
لذا فان مؤتمر برلين يعتبر محاولة دولية لإعادة تنشيط الجهود الرامية إلى إحتواء الأزمة. غير أن الرهان كان على قدرة المؤتمر على الإنتقال من تناول وتدويل الأزمة إلى مرحلة إيجاد حلول لها.

عليه كان لابدا من الوقوف على نتائج المؤتمر و معرفة هل نجح مؤتمر برلين 2026 في تقديم حلول حقيقية للأزمة السودانية، أم أنه إقتصر على إدارة تداعياتها الإنسانية والسياسية؟.فإن إنعقاد المؤتمر في ظل إستمرار العمليات العسكرية بين الأطراف المتحاربة مع تدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية و فشل المبادرات السابقة في تحقيق وقف دائم لإطلاق النار ،تصاعد التدخلات الإقليمية والدولية هذا يشير إلى إن المؤتمر هو محاولة لإعادة ترتيب الموقف الدولي وفق رؤية القوى المدنية الفاعلة في السودان، أكثر من كونه منصة تفاوض مباشرة يرجى منها مخرجات سياسية لها تأثيرها المباشر على الأرض.

فالبنظر إلى مخرجات المؤتمر ، يمكن القول إن المؤتمر حقق تقدمًا ملموسًا في الجانب الإنساني ، حيث تم الإعلان عن تعهدات مالية كبيرة فاقت المليار و خمسمائة مليون يورو لدعم ؛ النازحين واللاجئين في مجالات الأمن الغذائي ، القطاع الصحي، إلا أن هذه المساعدات رغم أهميتها ، إلا إنها فقط قد تساهم في خفيف أثار الصراع المتجددة و ليس معالجة جذور الأزمة المرتبطة بطبيعة الصراع السياسي والعسكري.

على الرغم من أن المؤتمر دعى إلى ؛ وقف إطلاق النار ، إستئناف العملية السياسية و
تقليل التدخلات الخارجية
لكن هذه الدعوات إفتقرت إلى آليات تنفيذ واضحة ، جدول زمني محدد ، أدوات إلزام للأطراف المتحاربة ؛مما جعلها أقرب إلى بيانات سياسية منها إلى خطة عمل.

و كل ذلك تم في ظل غياب الأطراف الفاعلة ، فبالتالي مهما كانت المخرجات لا تعنيها بشيء ، يُعد تغييب الأطراف الرئيسية في النزاع أقصد القوى العسكرية، من أبرز نقاط ضعف المؤتمر ، حيث أدى ذلك إلى: غياب الرؤية الحقيقية لأطراف النزاع ، ضعف و محدودية تأثير المخرجات على مجريات الحرب ، حتى القوى المدنية لم تشارك كلها ، بل وجد المؤتمر معارضة و مقاطعة من قوى مدنية لها تأثيرها و إن كانت مصنفة بإصطفافها لأجندة الحرب.

عليه يمكن القول إن المؤتمر إستطاع إعادة تسليط الضوء على الأزمة السودانية دوليًا و تمكن من حشد دعم مادي مقدر لمجابهة الازمة الإنسانية مع خلق تنسيق نسبي بين الفاعلين الدوليين ، و مد جسر التواصل بين القوى المدنية السودانية المتشظية ، يمكن أن يتطور لخلق موقف موحد.

ويمثل تغييب الاطراف المتنازعة أبرز نقاط قصور المؤتمر ، و بالإضافة إلى ضعف الأدوات التنفيذية ، فهذا مؤشر لتجاهل البعد الداخلي للحل مع تكريس الطابع الدولي للأزمة. فقد نجح المؤتمر في إدارة الأزمة و تدويلها و لكنه لم ينجح في حلها.

وعليه إذا تعاونت الأطراف المتنازعة مع وكالة العمل الإنساني و سمحت بمرور الإعانات يمكن إن يساهم ذلك في تحسين الوضع الإنساني ، و من المتوقع إن تساهم مخرجات المؤتمر في تكثيف الضغوط الدولية في فرض أو إنتزاع هدنة إنسانية طويلة الأجل تخفف من حدة العمليات العسكرية المتوقع زيادة وتيرتها في الأسابيع المقبلة ، و كما إستطاع المؤتمر إن يخرج الأزمة من حالة الجمود ، و أرسل إشارات واضحة تشير إلى أن أي حل مستدام يتطلب توافقًا سودانيًا عسكريا و مدنيا ، مقاربات شاملة و رؤية توافقية حول معالجة جذور الصراع السياسي ، و أن تجد الرؤية الدعم الخارجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى