الكنابي بين وصمة التغريب وحق المواطنة: قراءة نقدية في خطاب الكراهية والتمييز العنصري بكتاب “مشروع الجزيرة – القصة التي بدأت”
محمد علي مهلة

هذه المقالة تجميع لجزئين تم كتابتهما سابقا، تتناول خطاب التمييز العنصري والكراهية ضد مجتمعات الكنابي، الذي ورد في نصوص من كتاب “مشروع الجزيرة: القصة التي بدأت” لمؤلفه جلال الدين محمود يوسف، والذي يمثل نموذجاً حيّاً لإثارة الكراهية والتحريض الأعمى ضد مجتمعات الكنابي، ويدعو إلى تجريدهم من انتمائهم الأصيل للسودان، ويؤلِّب الكاتب المؤسسات والباحثين وسلطات القرار على مواطني الكنابي، ويصادر حق مواطنتهم، ويحاول سجنهم في مفهوم المواطنة المؤقتة المنقوصة. حيث بنى الكاتب كل تحريضه على فرضية “التغريب”، وهي فكرة تُستخدم لقهر مجتمعات الكنابي كي لا تطالب بمشاركة امتياز الثروة والسلطة وفق حق المواطنة المتساوية والشراكة العادلة في الوطن. ومفهوم التغريب نفسه لن يصمد أمام إعادة قراءة تاريخ الشعوب والمجتمعات السودانية عند تناول تاريخ وجغرافية وعلائق مجتمعات الحزام السوداني، ومشاركة هذه المجموعات في كل مراحل تشكُّل الدولة السودانية المركزية الحديثة التي بذر نواتها الاستعمار التركي المصري في العام 1821م. كما أن تطوّر سير الأحداث في أرض الواقع يمضي عكس تمنيات هذا الكاتب، إذ إن مجتمعات الكنابي تسير في اتجاه فعل إيجابي مستمر، وعياً ومعالجةً جزئيةً لبعض القضايا في السكن والخدمات والتطور، كما أن مجتمعات المزارعين التي يحرضها الكاتب فيها الكثير ممن يقفون مع إزالة الظلم عن كاهل مجتمعات الكنابي وبقية الفئات في الجزيرة.
ونجد في الباب السادس للكتاب، المعنون بـ “إشارات حمراء – الزحف الكمبوي والخطر المحدق”، نضيف عليه بعض التعليقات بغرض التحاور حول ما ورد فيه من مفاهيم وأفكار تحريضية وكراهية مرضية لدى الكاتب. ومن الشكر والعرفان الوارد بصدر الكتاب، يذكر المؤلف أنه قد صدر بتعاون مؤسسي من إدارات المشروع المختلفة، وجامعة الجزيرة ومديرها حينذاك البروفيسور تجاني حسن الأمين، وقت صدور الطبعة الأولى 1993م، وغيرها من المؤسسات، التي ما كان لها أن تتناول وضعية مجتمعات الكنابي بهذه الصورة القبيحة. والآن اقرأوا ما ورد في الكتاب بالنص، صفحة 136-137: (الزحف الكمبوي والخطر المحدق: لقد برزت في السنوات الأخيرة قضية هامة، أخذت تومض بإشارات حمراء إلى كل المهتمين بالقضايا الاجتماعية والسياسية في هذا البلد، بل أكثر من ذلك، فقد أخذت أجراس الخطر تنطلق من نواقيس معلَّقة على جدران مشروع الجزيرة والمشاريع الأخرى، ولا يستطيع أحد – والسيل قد بلغ الزُّبى – أن يغض الطرف أو أن يصم أذنيه عن سماع صراخ الاستغاثة وأجراس الخطر التي كأنما تنبه إلى وقوع حريق هائل في كل ركن من أركان مشروع الجزيرة والمشاريع المروية الأخرى. الكنابي – أو معسكرات العمال الزراعيين – التي أخذت تنتشر وتمتد في المشروع كالسرطان في الجسم المعافى، وبمرور السنين أصبحت تتكاثر أميبياً، وتتصاعد منها أبخرة نتنة تزكم الأنوف، ويندى لها جبينُ الحرِّ، إذ أصبحت هذه التجمعات العشوائية تشكل خطراً مدلهماً على البنية الاجتماعية لسكان المنطقة كلها، إذ تحولت من ثكنات للأيدي العاملة إلى بؤر للفساد والرذيلة، وخمارات لكل أنواع الخمور البلدية، ومستودعاً للغنائم والمسروقات، كما تحولت إلى متاكئ للعاطلين والمتسكعين، ومخابئ للمجرمين الهاربين من العدالة، كما يجد فيها بعض المزارعين ملاذاً وظلالاً في القائلة للراحة والاستجمام، ولا مانع من جرعات من خمر مُصَفّى تنسيهم ذكر ربهم والعودة إلى الحواشة. لقد أصبحت هذه الكنابي بمرور الزمن نماذج حية لعوامل تلوث البيئة، وصار أهلها يتعايشون مع تلك العوامل، بل يكتسبون منها القوة والمناعة، فلا هي تأثرت بهم إيجاباً، ولا هم تأثروا بها سلباً، بل أصبح كل منهما مكمِّلاً للآخر. الخطورة الثانية لنمو الكنابي وانتشارها وتكاثرها الأميبي، المتحدي لكل النظم واللوائح والقوانين والأعراف، هو وجود بعضها داخل الحواشي، الذي أصبح يتمدد ويقتطع سنوياً جزءاً لا يُستهان به من حيازة المزارع، مما يقلل من إنتاجه من المحاصيل بنسبة يمكن حسابها وتقديرها. أيضاً، فإن الكنابي التي تقع على جنبات الترع الفرعية تمثل عائقاً كبيراً لآلية نظافة الترع، إذ تحول دونها ودون أداء واجبها على الوجه الأكمل. هذا الزحف وهذا التمدد التلقائي حدث بسبب التوالد والتكاثر اللامحدودين لسكان الكنابي، الذين لا تحدهم قوانين تنظيم الأسرة، ولا مشكلة الانفجار السكاني، ولا غلاء المعيشة، ولا احتياج محدودية دخل الأسرة. المهم أن تتكاثر الأسرة بغريزتها البشرية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، إضافة إلى استقبال هذه الكنابي أعداداً تتزايد يوماً بعد يوم من أهل وأقارب ساكني الكنابي، الذين يأتون من أماكن متفرقة للسكن معهم، ولم تجد مع هذا الاحتلال احتياجات المزارع المسكين، الذي يجد أرضه تنكمش بين قدميه بحرارة التمدد الكمبوي وارتفاع نسبة المواليد في الكنابي، وهو مؤشر لمزيد من الانكماش في الأرض وقلة في الإنتاج “الأرض المحتلة”، وقريباً سيأتي اليوم الذي نجد فيه أن الكنابي في مشروع الجزيرة تقتطع نسبة غالية من أعز الأراضي وأغلاها خصوبة وإنتاجاً، ويومها لا يكون الحل ميسوراً، ولا إجراءات الإزالة ممكنة. وهكذا بدأت الكنابي تشكل تهديداً اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً وسياسياً مباشراً، إذ إن الغالبية الساحقة من الوافدين من بعض الدول المجاورة لا يمكن إغفال خطرهم على أمن البلاد السياسي والاقتصادي، وما يدور بداخل هذه الكنابي من تجمعات وتكتلات بشرية يثير الشكوك، ويبعث إلى عدم الراحة والاطمئنان، لبعدها عن دائرة المراقبة ومدى الرؤية، مما يجعلها تسترخي وتطمئن وتفعل ما يحلو لها أن تفعل، تحت ستار العزلة وعدم الاحتكاك بالمجتمع المحيط بها، وطبيعة المكان الذي لا يتطرق إليه الشك، ولا تحوم حوله الشبهات. متى ظهرت الكنابي إلى حيز الوجود؟ لقد انحرفت هذه المعسكرات السكنية عن أهدافها وغاياتها، وحادت عن الطريق المرسوم لها، فقد كان البريطانيون في الشركة الزراعية يهدفون من إنشاء هذه الكنابي إلى وجود تجمعات عمالية تساعد المزارعين في أداء مهامهم، وتعمل على سد الفجوات، وتعويض الفاقد العمالي، وتعمل كاحتياطي لضمان سير العمليات الفلاحية حسب ما هو مقرر لها في البرنامج الزراعي السنوي. ولقد ظهرت الحاجة إلى استجلاب عمالة إضافية وإيوائها في هذه المعسكرات المؤقتة، بعد أن تضاعفت الأعباء على المزارع، وأبدى عدم قدرته على مواكبة بعض العمليات الزراعية، خاصة جني محصول القطن، إذ كانت الحيازة بالنسبة لكثير من الأسر أكبر من قدرتها على إنجاز المهام في الوقت المحدد لها. وهنا ظهرت الحاجة إلى العمالة الاحتياطية، حيث كانت بداية عهدها أثناء الثلاثينات تسير على نمط مقنن، من حيث موقع إنشاء مساكن العمال “الكنابي”، ومواد البناء، وطريقة التعامل مع سكانها، وأسلوب تحركهم من وإلى الغيط، وكان هنالك التزام بكل هذه الضوابط حتى ما بعد الاستقلال )
هذا النص المليء بخطاب الكراهية والتحريض، لإصدار قرارات ضد مجتمعات الكنابي ووجودها وحقها المهضوم تاريخياً، يريد أن يُبقي مجتمعات الكنابي كفئة (أقنان) و(عبيد) بلا حقوق ولا حق في التطور، ويمثل تعاملاً منهجياً ومؤسسياً من مؤسسات الدولة، والمؤسف هو استخدام بحوث ودراسات وحدة البحوث الاقتصادية والاجتماعية بالمشروع، وجامعة الجزيرة، لهضم حقوق مجتمعات الكنابي وتحريضاً للمجتمع والدولة ضدهم، بدلاً من إنصافهم ورفع ظلمهم التاريخي عنهم.
ويستمر الكاتب في صفحة 137 – 138 من الكتاب، تحت عنوان “الزحف الكمبوي والخطر المحدق”، يورد الآتي: (وفي غفلة من الزمن ومن القانون ومن الضمير اليقظ، استطاع بعضهم أن يحصل على الجنسية السودانية، وأن يمتلك حواشة، وأن ينتسب وينتمي إلى هذه الأرض دون وجه حق، مستغلاً تارة سماحة وكرم الإنسان السوداني، وتارة مستغلاً وضعه وتوجهه السياسي والعقائدي المزيف ووزنه السياسي الأجوف ليصل إلى ما يريد. وشيئاً فشيئاً تغيرت سمات أهل الكنابي، وتحولت بعض منازل الحطب والقش إلى بنايات بالطين والطوب، واشرأبت من خلالها هوائيات التلفزيون الملونة، ووقفت إلى جوارها عربات البكاسي الفارهة، وتسرب أبناؤهم إلى داخل وخارج المدن، وانخرطوا في أعمال ومهن شتى هامشية، ووجد شبابهم القادر الطموح طريقه إلى الاغتراب والعمل في دول الخليج باسم السودان. وفي رأيي أن مشكلة الزحف الكنبوي في الأراضي المروية لا تقل خطورة ودماراً من الزحف الصحراوي، فكلاهما يطغى على الأرض الزراعية ويؤثر سلباً على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية. وخطورة الزحف الكمبوي تتمثل في تأثيره السلبي المباشر على الأخلاق وسلوكيات بعض الشباب الذين لم يجدوا الفرصة لمواصلة تعليمهم في المدارس، وأيضاً يتأثر بها بعض الرجال. كما أن الكنابي وما تحتويه من أجناس متباينة الأعراق والأصول، تشكل خطراً على العادات والتقاليد الخاصة بأهل المنطقة المجاورة، وقد تأتي بأشياء غريبة ودخيلة على لهجتهم وثقافتهم، إذ كان هذا لا يحدث إلا في نطاق محصور جداً بحكم معايشة بعض الأفراد للوافدين في محيط العمل. لقد تناول بعض الباحثين مشكلة الكنابي بالدراسة والتحليل، وأجمعوا على وصفها بأنها أجسام غريبة، رفضها الجسم السوداني شكلاً ومضموناً، وأصبحت منبوذة ومعزولة، وتعيش في عزلة تامة، وتدور في فلك حول نفسها، وآمنوا بضرورة الحد من انتشارها. حل هذه المشكلة قد يكون ممكناً اليوم، ولكنه سيندرج غداً من باب المستحيلات، إذا لم تجد أصوات المزارعين والعلماء والباحثين طريقها إلى مسامع الذين يتخذون القرار الثوري، ويضعون الأمور في نصابها بقوة القانون. والحل العلمي لهذه القضية يجب أن يسلك الاتجاهات التي تلخص مجموعة من التوصيات التي صدرت في أعقاب العديد من ورش العمل والمؤتمرات الخاصة بموضوع انتشار الكنابي وزحفها المدمر على القرى والأراضي الخصبة).
ان تعليقي على النص أعلاه أنه يمثل الرؤية المفاهيمية والسياساتية والقانونية والتشريعية للكثير من المسيطرين على مفاصل السلطة والثروة في السودان الموروث من الاستعمار، ويوضح الكاتب فيه جملة ورش العمل التي عُقدت لمناقشة وضعية الكنابي ومجتمعاتها. وفي بادئ الأمر يتبادر إلى الذهن أنه يتحدث عن مخلوقات فضائية خارقة تهدد الوجود البشري والبيئة في المشروع، لا يتحدث عن مجتمعات ظلت تقوم بأساس العملية الإنتاجية، ولا تنال نصيباً من صافي أرباحها، مجتمعات قامت بعمل الإنشاء والإنتاج في المشروع، وهي بلا حقوق على إدارات المشروع والدولة.
وهي مجموعات شاركت في بناء الحضارات السودانية الإفريقية بأنساقها القديمة والحديثة، من ممالك وسلطنات الهوسا والبرنو والداجو والتنجر والفور والبرقو والتاما والزغاوة، وغيرهم من المجموعات، ولكن الكاتب وغيره كثيرون أسيرون لمنظور قراءة السودان من داخل الحدود الاستعمارية ويستخدمونه لإلغاء حق المواطنة، والكاتب جلال الدين مسجونون ذهنياً في هذا المنظور، وما إن وجد المجموعات والمجتمعات التي ما إن فُتح باب التحاور حولها، حتى أعيد فتح باب قراءة التاريخ السوداني وفق سياقه الإفريقي السوداني بحضاراته القديمة لبلاد السودان.
يحاول الكاتب جاهداً إبقاء بعض مجتمعات الكنابي في حالة “المواطنة المؤقتة”، ويناقض نفسه، فإذا كان تواجد بداية الكنابي من الثلاثينات، فكيف يريد تجريدهم من الانتماء وحق المواطنة بعد ستين عاماً لحظة صدور كتابه بداية التسعينات؟ وهو يدعي التمسك بالقوانين، فأين حق المواطنة؟ ويبدو أن السلطات والمجتمع حينها استجابوا لنداء الكاتب ومجموعة الباحثين والعلماء الذين ذكر أنهم قاموا بالدراسة والتحليل وأجمعوا على أنها أجسام غريبة ومنبوذة، وضرورة الحد من انتشارها، لذلك يجب إعادة قراءة أحداث التسعينات في كنابي بابونسة ووادي شعير وغيرها، التي شهدت أحداث حرق وقتل وإزالة وترحيل. ونحن نتناول كل ما يتعلق بالمفاهيم والتحليلات والتمييز العنصري، لنتشارك جميعاً في تأسيس واقع جديد، أكثر عدلاً وإنسانية، وأن مشروع دولة المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية قادم لا محالة.
تم نشر النص في جزئين في العام 2018


