مقالات واراء

تغيير العملة؛ الفساد مع سبق الإصرار!

صالح السليمي

تغيير العملة ليس مجرد إجراء تقني في السياسة النقدية، بل هو قرار مصيري له تداعيات عميقة على اقتصاد أي دولة. من الناحية النظرية، يُفترض أن يكون تغيير العملة وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية مثل مكافحة التزوير، وتقليل السيولة المفرطة، واستعادة الثقة في النظام المالي. لكن الواقع يكشف أن هذه العملية قد تتحول إلى كارثة إذا أُديرت بعشوائية أو شابتها يد الفساد، لتصبح أداة تخريب ممنهج بدلًا من الإصلاح، هو ما حدث بالفعل.

بالإضافة الى ان عملية تغيير العملة تتطلب إجراءات صارمة ومنظمة تبدأ بإعلان واضح للجمهور، مرورًا بإدارة توزيع العملة الجديدة بحزم، وتأمين عملية التخلص من العملات القديمة بشكل كامل، وعادةً عن طريق الحرق تحت رقابة مشددة، فإنها كذلك تحتاج بالضرورة على سيطرة كاملة الاقتصاد هو تفتقر اليه العملية الحالية، حيث تعيش البلاد حالة حرب منذ ما يقرب من العامين، بحيث أصبحت فعليا منقسم على نفسها بين الدعم السريع والجيش، وهذا الانقسام عمليا سيفقد عملية الاستبدال معناها، ولاتُرجى أي فائدة من عملية الاستبدال الجزئي التي تتم جرائها. كذلك في كثير من الحالات، تتحول هذه الخطوات النظرية إلى سلسلة من الإخفاقات المدمرة، حيث يتسلل الفساد عبر الثغرات الإدارية لتقويض الأهداف المعلنة، لأن أي تسرب للعملات القديمة إلى الأسواق مجددا لا يعني فقط فشل العملية، بل انهيار الثقة في النظام بأكمله، وزيادة التضخم بمعدلات لا يمكن السيطرة عليها.

كما أن فشل الدول في تأمين التخلص الكامل من العملات القديمة يمثل خيانة مزدوجة؛ خيانة للثقة العامة، وخيانة للاقتصاد الوطني. فالعملة المسربة تعود إلى الدورة الاقتصادية بشكل غير قانوني، مما يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية بشكل غير مبرر، ويُشعل شرارة التضخم، ويُضعف قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية. هذا السيناريو الكارثي يدمر مدخرات المواطنين، ويعطل الإنتاج، ويخلق بيئة طاردة للاستثمار.

التجربة السودانية تعد مثالًا حيًا على هذا الفشل المأساوي، حيث تحولت عملية تغيير العملة إلى ساحة مفتوحة للفساد، بدأت بتدشين عمليات الفساد الربوي خارج البنوك وهي عملية استبدال يقوم بتنفيذها نافذين معلومين بحيث يتم ذلك بنسب تتراوح من 70% الى 80% مقابل المبلغ المعروض بالعملة القديمة، وانتهت بإعادة تدوير العملة المستبدلة نفسها لأكثر من مرة، حيث اشارت التقارير شبه الرسمية الى ان الجهات المسؤولة عن حرق العملة القديمة قامت بتسريبها مرة أخرى إلى الأسواق، في عملية أقرب إلى المؤامرة ضد الاقتصاد الوطني. وتقود هذه العملية الى نتيجة كارثية تتمثل في انفجار معدلات التضخم إلى مستويات تاريخية، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين، وانعدام الثقة في النظام المالي والإداري. والأخطر من ذلك، أن مرتكبي هذا الفساد أفلتوا كالعادة من العقاب، ما يعكس غياب الإرادة السياسية لمحاسبة الفاسدين، ويكشف عن تواطؤ مريب في إدارة العملية.

هذه الكارثة الاقتصادية ليست مجرد درس في الفشل، بل تحذير شديد اللهجة على فقدان هذه العملية جدواها الاقتصادية وامعان في استغفال الشعب الذي انهكته الحرب والفساد وسوء الإدارة في آن واحد. وان نجاح هذه العملية في الأساس يعتمد على الاستقرار السياسي والسلام الشامل والسيطرة الفعلية على بوابات الاقتصاد الوطني، ومن ثم يعتمد على الشفافية المطلقة، الرقابة الصارمة، وإرادة سياسية لا تساوم مع الفساد. ولذلك الفشل في تحقيق هذه الشروط حول عملية تغيير العملة إلى أداة لتدمير الاقتصاد، وجعل المواطن يدفع ثمن أخطاء لا يُغتفر. كذلك ما حدث ليس حادثة عابرة، بل جريمة اقتصادية مكتملة الأركان، وعلى كل شعبنا أن يدرك مجددا الى مدى تغرق حكومة بورتسودان في الفشل والفساد وتوغل في الفوضى في ذات الوقت.

خلاصة القول ان أي عملية اصلاح اقتصادي او اداري او مالي او نقدي او اجتماعي دون وقف هذه الحرب العبثية اللعينة يظل حديث خرافة، وهرطقة باطلة لن تبلغ الى الحق سبيلا، بل وسوف تتحول لحالة فريدة من الاهدار المتعمد لموارد وثروات البلاد بلا طائل، وهو ما يحدث امام اعين الجميع منذ ما يقرب من عامين؛ أوقفوا الحرب أولا وسوف يتبع الباقي، كما قال كوامي نكروما أصلحوا عالم السياسة وسوف يتبع الباقي.

/انتهى/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى