
الحرب بطبيعتها مرآة للانتهاكات، ولا يختلف اثنان على أنّ ما حدث في السودان منذ اندلاع القتال كان مليئًا بالقتل والتعذيب والحرائق والانتهاكات الأخرى التي لا يمكن إنكارها.
هذه أحداث موثّقة ووقائع دامغة لا تحتاج إلى فيديو متداول كي تثبت نفسها، لكن المشكلة تبدأ حينما يتحول الألم الإنساني إلى مادة للكذب والدعاية، حين يتصدر ناشط يسعى وراء الأضواء ويبحث عن أن يكون ترند ولو على حساب الضحايا والمدنيين، فيحوّل المأساة إلى أداة للظهور.
الفيديو الذي جرى تداوله بالأمس، والذي يظهر امرأة معلقة في جذع شجرة فيما يُعرف بـ”الطيارة قامت”، تبيّن من خلال التحليل أنه خضع لتركيب وإدخال مشاهد إضافية على النسخة الأصلية، ما يجعله في خانة المحتوى المريب.
التحليل تم عبر منصة Attestiv، وهي منصة أمريكية متخصصة ومعترف بها عالميًا في مجال اكتشاف التلاعب بالصور والفيديوهات باستخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البصمة الرقمية. المنصة تُستخدم من قبل مؤسسات إعلامية وشركات تأمين وجهات قانونية لما تتمتع به من مستوى عالٍ من الاحترافية والدقة في النتائج.
مثل هذا التلاعب لا يخدم الضحايا بل يضعف قضيتهم، لأنه يفقد أي ملف يُبنى عليه مصداقيته عند أول تحقيق جاد، ويحوّل المأساة الإنسانية إلى مادة للاستهلاك والتشويه، بينما الحقيقة المؤلمة والموثقة لا تحتاج إلى إضافات مصطنعة لتثبت نفسها.
التحليل الفني عبر منصة Attestiv أظهر أن الفيديو الأخير الذي جرى تداوله باعتباره دليلًا على التعذيب حصل على درجة اشتباه بلغت 73%، وهو رقم مرتفع يجعل المقطع في خانة المحتوى المريب.
والتحليل الزمني كشف عن مقاطع معدلة في أكثر من موضع، ومؤشرات التلاعب تجاوزت 0.7، وهو أعلى بكثير من العتبة الآمنة. الخلاصة أن الفيديو غير موثوق، وهناك دلائل قوية على أنه مركب أو معدل.
والمشهد الذي جرى تداوله بالأمس ليس أبشع مما حدث بالفعل على أرض الواقع. فما ارتكبه عساكر الجيش من اغتصاب لفتيات في غابات النيل الأزرق، أو ذبح الجنوبيين في مدني بعد دخول القوات، أو قتل عسكري من الدعم السريع لرجل مدني الأسبوع قبل الماضي فقط بسبب قبيلته ثم تكرار الفعل مع أربعة آخرين، أو قتل راحل أمام ابنته الصغيرة في سنار بدعوى التعاون مع أشخاص، أو ضرب امرأة لأنها سقت أفرادًا من الدعم السريع بالماء، أو إعدام ناشطين سبعينيين أمام الكاميرات على يد الجيش وميليشياته.
كلها جرائم موثقة وحقائق دامغة لا تحتاج إلى أي إضافة أو تزييف،فالمسألة ليست مجرد أرقام وتقارير فنية، بل هي أعمق من ذلك. الخطر الحقيقي يكمن في التلاعب بوعي الناس والمتاجرة بدموع الضحايا.
فالألم الإنساني حين يُحوَّل إلى مشهد مُفبرك يُعرض على مواقع التواصل لا يخدم قضية الضحايا بل يضعفها ويشوّه الحقيقة. الانتهاكات الحقيقية موجودة وموثقة بالشهادات والصور الميدانية، وهي لا تحتاج إلى إضافات زائفة كي تثبت وجودها.
الحرب لا تحتاج إلى المزيد من الأكاذيب المصنوعة بحثًا عن الظهور، بل تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالجرائم كما وقعت، وإلى احترام معاناة البشر بعيدًا عن تحويلها إلى مادة رخيصة للاستهلاك الإعلامي. وعلى طرفي النزاع أن يقبلوا بلجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة، لأن هذه السيدة في الفيديو المفبرك لا يُعرف مكانها، فقد تكون في مناطق يسيطر عليها الجيش متهمة بالتعاون، وقد تكون في مناطق الدعم السريع بالفعل.
وحده التحقيق الدولي المحايد يمكن أن يكشف الحقيقة ويمنع تحويل معاناة الأبرياء إلى أداة للمزايدات.


