
في تطور نوعي يُعد من أبرز التحولات في مسار النزاع السوداني، أظهرت قوات الدعم السريع قفزة واضحة في قدراتها العملياتية، عبر توسيع حضورها الجوي ليشمل مدنًا رئيسية في البلاد، مثل بورتسودان وكسلا وكوستي وعطبرة.
ورغم أن هذا التحرك قد يبدو تكتيكيًا في ظاهره، إلا أنه يحمل رسائل استراتيجية وسياسية عميقة، من شأنها أن تعيد تشكيل ميزان القوى وتؤثر في مسار الحرب.
وفي وقت كانت فيه السيطرة على الأجواء تُعد امتيازًا تحتكره القيادة العسكرية التقليدية، جاء دخول الدعم السريع إلى سماء الشرق والوسط برسالة صريحة:
السماء لم تعد حكرًا على أحد.
لسنوات، اعتمدت القيادة العسكرية الموالية للبرهان على سلاح الجو كميزة تفوق نفسي وميداني، وأساس للردع. لكن اختراق الدعم السريع لهذا التفوق، عبر طائرات مسيّرة وانتشار ذكي، قلب المعادلة وأظهر هشاشة المنظومة الجوية التي لطالما روّج لها الجيش.
الجغرافيا كرسالة سياسية
لم تكن المدن المستهدفة لتحليق الطيران عبثية. فبورتسودان وكسلا تمثلان ممرًا استراتيجيًا واقتصاديًا على البحر الأحمر، بينما تعد كوستي وعطبرة شرايين في قلب الصناعة والنقل.
وصول الدعم السريع إلى هذه المناطق يعكس تحولًا من قوة متمركزة في الغرب إلى لاعب وطني شامل، يفرض نفسه على امتداد الخريطة.
في ظل الضغوط الدولية الرامية إلى فرض تسوية سياسية، تأتي هذه التحركات الجوية كأوراق قوة على طاولة التفاوض، ودليل على قدرة الدعم السريع على فرض أمر واقع، سواء في البر أو في السماء.
لقد عرف الدعم السريع تاريخيًا بسرعته الأرضية وانتشاره الواسع، لكنه اليوم يُظهر تطورًا استراتيجيًا غير مسبوق، يضعه ضمن فئة القوى القادرة على إدارة حرب هجينة—تجمع بين العمليات البرية الدقيقة والتفوق الاستخباراتي والتقني في السماء.
كلمات القائد محمد حمدان دقلو “حميدتي” التي قال فيها ذات يوم: “لنا دواء لكل داء”، لم تعد مجرد خطاب، بل صارت عقيدة عملياتية تتجلى في كل مرحلة من مراحل هذا الصراع
فإن تمدد الدعم السريع جويًا يعقد السردية السائدة عن طبيعة هذا النزاع. فقد خرجت هذه القوات من إطار القوة الرديفة، وأثبتت أنها تنفذ عمليات معقدة وتخوض معارك على مستويات متعددة.
وها هي السماء السودانية تصبح ساحة جديدة للسيادة، ليس فقط عسكريًا، بل رمزيًا ومعنويًا… حيث تكتب الإرادة الوطنية بحروف من نار، وتُترجم الاستراتيجيات بلغة الطائرات، لا الشعارات.
مع كل تحليق في سماء الوطن، تترسخ معادلة جديدة:
من يملك الأرض والسماء… يملك القرار.


