
ليس غريبًا أن يستمر الجيش المليشي في نهجه القائم على تهجير وقمع المواطنين العُزّل، فقد جاءت الحادثة الأخيرة التي تعرضت لها بطون الحوازمة في مناطق خور الدليب وأم برمبيطة، لتكشف مُجدداً الوجه الحقيقي لهذا الجيش الذي اعتاد على استهداف الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ، ونهب ممتلكاتهم البسيطة.
أكثر من 183 أسرة من بطون الحوازمة، لم تجد أمامها سوى النزوح القسري هربًا من انتهاكات الجيش المليشي ومليشياته، تاركين وراءهم أراضيهم وممتلكاتهم ومنازلهم، ومحمّلين بآلام لا تنسى وجراحٍ لا تندمل، باحثين عن الأمان والحماية لدى أبناء جلدتهم في مناطق الحركة الشعبية – شمال.
إن الجيش المليشي الآن يهاجم فرقان الحوازمة بشكل ممنهج، متسببًا في حالة واسعة من النزوح القسري والاضطراب الإنساني، مُثبتًا مرة أخرى أنه جيش لا يُتقن سوى لغة العنف والإرهاب ضد شعبه. وظل يهاجم الفرقان حول أم برمبيطة وأبو كرشولا، ويرسل أبناء الإثنيات الذين لهم صراعات قبلية مع الحوازمة لإعطائهم فرص الانتقام، كما فعل في كالوقي وكادقلي والدلنج، حيث تمت تحت رعايته تصفيات وانتهاكات كبيرة جدًا.
لقد برهن الجيش المليشي مجددًا أنه آلة للقمع والاضطهاد، سلاح موجه ضد شعوب الهامش، يحمي مصالح المركز الفاسد على حساب دماء وكرامة الأبرياء. فما شهدناه في “سرفاية” يروي فصلاً جديداً من فصول القهر المستمر الذي يمارسه هذا الجيش منذ تأسيسه، ضد من يفترض به حمايتهم، ليكون بذلك أول جيش في التاريخ يحترف الحرب على مواطنيه ويمارس التهجير القسري الممنهج.
لكن في وسط هذه المأساة، برزت قيم الإنسانية والتكافل لدى أبناء إقليم جبال النوبة، فقد احتضنوا النازحين رغم شح الموارد وصعوبة الظروف، مؤكدين للعالم أجمع أن وحدة أبناء الهامش هي أقوى رد على محاولات التفريق والتقسيم التي ينتهجها المركز. هذه المواقف الإنسانية النبيلة أكدت مجددًا أن الأزمة ليست بين شعوب الهامش، بل هي مع المركز الذي يستثمر في النزاعات ويمزق النسيج الاجتماعي.
اليوم، يجب علينا جميعًا أن نتحرك لنوقف هذا المسلسل الدموي، وأن نكشف للعالم حقيقة هذا الجيش المليشي ومن يقفون وراءه. علينا أن نواصل الضغط من أجل عدالة حقيقية، ومحاسبة صارمة لكل من شارك في هذه الجرائم والانتهاكات. كما يجب ألا نغفل عن ضرورة دعم النازحين، خاصة في مجالات التعليم والصحة، باعتبارهما السلاح الأقوى في مواجهة سياسات التجهيل والتهميش الممنهج التي يمارسها المركز.
لن ننسى ولن نغفر ما حدث لأسر الحوازمة من قتل ونهب وتشريد. سنلاحق مرتكبي هذه الجرائم ولن يهدأ لنا بال حتى تتم محاسبة المجرمين وتتحقق العدالة الكاملة. لن نقبل بأن يُختطف مستقبل أجيالنا القادمة تحت تهديد السلاح والقهر والظلم، وسنظل صامدين في وجه آلة القمع حتى نحقق وطنًا حقيقيًا مبنيًا على العدالة والحرية والمساواة، بعيدًا عن عنصرية وقهر وإرهاب المركز وأدواته.


