
1/ سأتناول في سلسلة مقالات جرائم و إنتهاكات قوات الشعب المسلحة السودانية في حق السودانيين أثناء الحرب و السلم. وبطبيعة الحال لا يمكن الحديث عن إنتهاكات الجيش السوداني ضد المواطنين السودانيين دون التطرق لتاريخ نشأته، و التي يمكن أن تعد المفسر الوحيد لاستمراره في إرتكب الإنتهاكات دون توقف حتي اليوم.
2/ نشأ الجيش السوداني في باديء الأمر في شكل مليشيا بواسطة الإستعمار التركي المصري 1820 – 1821، كانت نتاج تطبيق لسياسة الإستعمار في سبيل تحقيق أهدافه المعلنة من غزو السودان، و هي الحصول على العبيد من أجل إعادة بناء الجيش العثماني الذي أنهكته الحروب بأقل تكلفه. أطلق الأتراك العثمانيين على تلك المليشيا اسم البازنقر. و هي مليشيا تعتمد على مواطنين سودانيين من مركز السلطة الاستعمارية، و بعض المغامرين، تم إغرائهم بالأرباح الضخمة التي كانت تدرها تجارة الرقيق.
لا أحد يعرف بالضبط متى كانت أول عملية عسكرية قامت بها مليشيا البازنقر، و هي عمليات كان يطلق عليها إسم “رحلات صيد العبيد” ، و لا إلى أي المناطق السودانية، لكنها كانت حملات وحشية ، يهجم فيها أفراد المليشيا على القرى و المدن، يقتل من يقتل و يتم القبض على الرجال و النساء و احضارهم الى امدرمان و ارسال الاشداء منهم الى امبابة في مصر منها الى تركيا.
هل ذكرك رحلات صيد العبيد بشيء ؟
نعم إنها “متحركات الصياد” !!!
3/ برغم مقاومة أعيان المركز لقرار تحرير العبيد الذي اتخذته بريطانيا العظمى في كل مستعمراتها في 6 مارس 1925, الا ان تلك التجارة بدأت في الإندثار بسبب الحرب العالمية ضد تجارة الرق.
4/ في العام 1925, و تمهيدا لخروج المستعمر البريطاني المصري الذي ورث مليشيا البازنقر من المستعمر التركي المصري، قررت سلطات الإحتلال تغيير إسم تلك المليشيا من بازنقر إلى قوة دفاع السودان، بعد ان ضمت إليها من تبقى من جنود وةضباط سودانيين كانوا ضمن الجيش المصري، لكنه تم تهميشهم بسبب التمرد ضد الدولة في 1924 بقيادة علي عبد اللطيف, ثورة 1924.
5/ كان أول قائد للقوة تحت الإسم الجديد قوة دفاع السودان هو الفريق أحمد محمد أحمد الجعلي، الذي إستلم قيادة القوة في 14 أغسطس 1954 من اللواء ريجينالد سكونز قائد القوات البريطانية في السودان التي كانت تتبع لها قوات دفاع السودان.
6/ صاحب تأسيس قوة دفاع السودان تأسيس أول حكومة سودانية قبل الإستقلال برئاسة عبدالرحمن المهدي ، من 22 أكتوبر 1952 الى نوفمبر 1953. ثم حكومة اخرى برئاسة إسماعيل الأزهري من 6 يناير 1954 إلى 1 يناير 1956. و نتيجه لسيطرة مجموعات نخب الخرطوم على الحكومة في غياب أهل السودان الأخرين، قامت أول ثورة سودانية مسلحة هي حركة الأنانيا الأولي في 18 أغسطس 1955 ضد سياسات الحكومة السودانية، التي و يا لسخرية الأقدار ، أنه كان يرأسها من وقعوا على وثيقة “العار الوطني” التي تعرف باسم مذكرة كرام المواطنين.
كان الرد من الخرطوم على ثورة الأنانيا هو إرسال قوة دفاع السودان لإخماد الحركة المسلحة. منها إنطلقت دورة جديدة من دورات إنتهاكات مليشيا البازنقر ضد السودانيين الجنوبيين.
صاحب الحرب في جنوب السودان خلال ثورة الانانيا الأولي و الثانية، و ثورة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل المقيم د. جون قرنق إنتهاكات خطيرة و فظيعة ضد المواطنين المدنيين.
إنتهاكات الجيش في حرب جنوب السودان.
7/ ذات الحجج التي يرددها الجيش في حربه اليوم و هو يقصف الأسواق و التجمعات السكانية بالبراميل المتفجرة، كانت هي ذات الحجج التي يبرر بها الجيش جرائمه ضد المواطنين المدنيين في جنوب السودان. وهي أنهم حواضن اجتماعية للثوار المسلحين، و بالتالي يسري عليهم ما يسري على الثوار و ان دمهم حلال.
8/ إنتهاكات الجيش ضد السودانيين الجنوبيين، مازالت آثارها حاضرة في نفوس أبناء الشعب الجنوب سوداني حتى اليوم ، فهي كانت إنتهاكات ممعنه في إهدار كرامة الإنسان. شملت القتل دون محاكمات، تماما كما يجري في شوارع الخرطوم الان ، بالإضافة إلى التعذيب حتى الموت، و لا يوجد مواطن جنوبي واحد لا يعرف مبني البيت الأبيض في جوبا او لم يسمع به. و قد كان مقر إذلال للشعب السوداني الجنوبي.
ولعل أخطر و أحقر جرائم و إنتهاكات الجيش السوداني ضد السودانيين الجنوبيين هو قتل الأطفال بطرق بشعة، مثل إلقائهم في النار و هم أحياء، و إغتصاب القاصرات. و غيرها من الإنتهاكات التي رصدتها منظمات حقوق الإنسان و المنظمات الاغاثية التي جاءت من كل أرجاء الدنيا لنجدة شعب جنوب السودان.
بلغ عدد الضحايا من المدنيين في جنوب السودان أكثر من 2 مليون إنسان حسب تقدير منظمات حقوقية.
طالت الإنتهاكات قطاعات كبيرة من الشعب الجنوبي, ما أدي إلى حركة نزوح كبيرة من المدن و القرى نحو دول الجوار. خاصة كينيا و يوغندا و الكنغو الديمقراطية. .
9/ رغم النضال الثوري المشروع للحركة الشعبية، و طرحها لمشروع السودان الجديد، كبديل للنظام الاجرامي التي تأسس بعد الإستقلال، إلا انها اضطرت للقبول بإتفاق سلام في نيفاشا لا يتضمن محاسبة الجيش السوداني على جرائم حرب الجنوب. و لا يتضمن العدالة و الإنصاف للضحايا.
لا إعتذار، لا تعويض، لا شيء على الإطلاق. برغم ان كل بنود إتفاق نيفاشا كان يوضح بجلاء بأن الجيش كان يقود حرب طغيان، و ان شعب جنوب السودان كان يطالب بحقوق مشروعه. و لعل رفض الحكومة مناقشة قضايا العدالة و الإنصاف في مفاوضات نيفاشا، و تمسكها بتوفير الإفلات من العقاب للجيش، كان هو المحفز الأول لشعب الجنوب لإختيار الإنفصال في ما بعد في الاستفتاء الذي جرى تنفيذا للاتفاق.
10/ كثير من المراقبين طرحوا سؤال لماذا لم يحصل الجنوبيين على العدالة، في جرائم كبيرة و خطيرة و تعد جرائم ضد الإنسانية مثل جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبت ضدهم بواسطة الجيش و مليشياته لأكثر من خمس عقود كاملة؟ لكن لا توجد إجابه واضحة لهذا السؤال. بعض المتابعين لحرب الجنوب فسر الأمر في ما يتعلق بالحركة الشعبية، و ذهبوا إلى أن د. جون قرنق بعد ان رأى تعنت الحكومة في تحقيق العدالة و الإنصاف قرر التخلي عنها ، و انه قال ان ذلك افضل من استمرار الحرب و وقوع مزيد من الإنتهاكات و مزيد من الضحايا.
قد تتفق او تختلف مع ذلك، لكن تبقى الحقيقة و هي إن الجيش السوداني أو مليشيا البازنقر، ظلت توفر أقصى درجات الحماية للضباط و الجنود منذ تأسيسها بغرض صيد السودانيين، بل أنه كل ما كان الصيد أكبر و أوفر، كلما كان ذلك حافزا للترقي و الوصول الى المراكز القيادية.
هذا ما سأتناوله في الحلقة الثانية.
التي سنبرز فيها أبرز ضباط الجيش المتهمين بإنتهاكات، و كيف وصل بعضهم إلى هيئة القيادة.
آليات و طرق و وسائل الإنتهاكات و الإبادةالجماعية، و ضرب المجتمعات بعضها ببعض، و إستخدام الأسلحة المحرمة دوليا.
و إستخدام وصول الإغاثة للضحايا كسلاح في الحرب.


