
دخلت الحرب السودانية منعطفاً حاسماً. بعد عامين من المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم يُحسم الصراع لا بسقوط العاصمة، ولا بانهيار أحد الطرفين. وبدلاً من النهاية، نحن أمام ولادة حرب جديدة: أكثر ذكاءً، أكثر لامركزية، وأكثر خطورة على مركز السلطة في بورسودان.
انسحاب قوات الدعم السريع من بعض المحاور الحضرية خلال الأشهر الماضية – الخرطوم بحري، ود مدني، سنجة – لم يكن نتيجة هزيمة، بل خطوة محسوبة ضمن استراتيجية حرب استنزاف طويلة الأمد و ليس بعيدة عن تفاوضات دولية غير مباشرة و تحدثنا عنها في شهر اكتوبر ٢٠٢٤ م في مقال سابق …، من يقرأ هذا التحول بعيون تكتيكية يدرك أننا لم نعد في طور “حسم المعركة”، بل أمام عملية إعادة تموضع متعمدة تُذكّر بانسحابات طالبان في 2011 أو مناورة الفيت كونغ في فيتنام. الهدف لم يعد السيطرة على الخرطوم، بل إنهاك المنظومة الحاكمة نفسها، وجعلها تنزف على أطراف متعددة في توقيت واحد.
ما يجري ليس صراعاً بين ميليشيا وجيش نظامي كما تحاول الرواية الرسمية تسويقه. على الأرض، هناك تحالف مقاتل ومرن يجمع بين الدعم السريع، والجيش الشعبي لتحرير السودان – شمال، وحركات مسلحة متمرسة مثل العدل والمساواة وتجمع قوى تحرير السودان. كل من هذه القوى يحمل خبرة ميدانية موثقة، وله سجل طويل في حرب العصابات والمواجهات اللامتماثلة. هذا التحالف لا يعتمد على الكثافة العددية بل على اللامركزية، على الخفة، وعلى ضرب مفاصل الدولة ثم الانسحاب.
الجيش الشعبي، على وجه التحديد، ليس وافداً جديداً على المشهد. هذه قوة خَبِرت جبال النوبة والنيل الأزرق لأربعة عقود، ونجحت في بناء نموذج قتالي يصعب على الجيوش التقليدية مجاراته. إنها وحدة مرنة، تعتمد على الكمائن، الاختراقات الليلية، والهجمات في عمق العدو. إنها تقاتل بتكتيك “اضرب وانسحب ”، وتُحسن الانتظار .
أما الدعم السريع، فقد أعاد تعريف القتال في بيئة المدن. من مليشيا قبلية إلى وحدة قتال حضري مدربة، تستفيد من خبراتها في اليمن وليبيا، وتُوظف المسيرات، وأجهزة الاتصالات الحديثة، وفوضى الجغرافيا لتصنع ما يشبه “تكتيك الذئب المنفرد” ولكن على مستوى الكتائب.
الجيش السوداني اليوم يقاتل في معادلة خاسرة. لم يعد يحمي “الدولة” بل يحاول البقاء ممسكاً بمراكز السيطرة في ظل حرب تستنزف قوته النفسية قبل المادية. الحرب تتسلل الآن نحو مناطق مثل دنقلا، عطبرة، وشندي – مدن اعتُبرت سابقاً آمنة. ومع كل هجوم نوعي أو اختراق دعائي، تتآكل صورة الجيش كممثل للسلطة.
المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في الوعي. الصور، والمقاطع المصورة، والتقارير المسربة، أصبحت أدوات معركة تضاهي الصواريخ والدبابات. التحالف المناهض للجيش يدرك أن خسارة الجيش إعلامياً هي مقدمة لهزيمته سياسياً، فالتحالف المعارض لا يخطط للسيطرة على الخرطوم غداً. بل يخطط لجعل الحرب تستمر لعشر سنوات. هذه ليست مبالغة. بل خطة موثقة في التجربة العسكرية التاريخية لهؤلاء الفاعلين.
فالجيش الشعبي قاتل الدولة السودانية لعقود، وخرج منها بكيان مستقل. الدعم السريع خَبِر دهاليز الصراع الأهلي وكيفية التفاوض من موقع قوة. الزمن، في هذه الحرب، ليس في صالح الجيش السوداني.وفي الشمال، اختراقات تضع العمق النيلي في خطر.وفي الجنوب الجديد ، قواعد عمليات قابلة للتوسع.امافي الغرب، مرونة الدعم السريع تُعيد فتح الجبهات التي أُغلقت سابقاً.
رغم أحاديث الكواليس عن مفاوضات برعاية إقليمية ودولية، فإن المعادلة لا تُبنى في الفنادق، بل في الميدان. من يدخل المفاوضات متعباً، فاقداً للمبادرة، سيدفع الثمن السياسي لاحقاً. وهذا ما يفهمه تماماً حكيم الجبال الزعيم عبد العزيز الحلو و سليمان صندل، و الطاهر حجر، وعبد الرحيم دقلو. معركة الخرطوم لم تحسم، لكن الحرب تُحسم بتآكل شرعية المركز، وتعدد جبهات النار، واختناق الموارد.
ما يجري في السودان ليس مجرد صراع عسكري. إنها حرب تعيد كتابة قواعد اللعبة و توزيع القوة، شكل الدولة، طبيعة الجيش، ومستقبل السودان الجيوسياسي.
السؤال لم يعد: من يربح الحرب؟ بل: من يصمد أطول؟
وحتى الآن، الطرف الذي يتقن حرب الاستنزاف… لا يزال في الميدان.



