السلام أم تقسيم السودان.. حكومة السلام والوحدة بين جدلية الماضي والحاضر
عثمان كندة كربوس

الإعتراف بالحكومة مثل الإعتراف بالدولة من حيث الشكل حيث لا تخضع لصورة معينة فقد يكون الإعتراف صريحا أو خلال معاهدة أو وثيقة دبلوماسية و قد يكون ضمنيا بدخول حكومات الدول مع الحكومة الجديدة في علاقة رسمية لا تقوم إلا بين حكومة دولتين وهذا ما تقوم به حكومة الأمر الواقع في بورتسودان التي وقعت على إتفاقيات إقتصادية و أمنية وعسكرية مع كل من مصر و إيران و روسيا بصورة علنية و إتفاقيات سرية مع دول في المحيط الدولي والإقليمي و قد يكون ذلك بقبول ممثلي الحكومة الجديدة أو إبرام معاهدات معها فذلك يجب أن لا نخلط بين الإعتراف بالدولة و محل صدور ذلك و ظهور دولة جديدة و الإعتراف بحكومة جديدة في دولة قديمة ، وتماشيا مع ذلك قد تحدث في دولة ثورة شعبية تطيح بالنظام القائم كما حدث في ثورة ديسمبر المجيدة من العام ٢٠١٨م بالسودان التي أدت إلى تغيير نظام الحكم وإحلال حكومة الثورة محل الحكومة القديمة.
فدعا ذلك الدول إلى الإعتراف بالحكومة الجديدة واستمرت العلاقات قائمة بين الدول والدولة رغم التغيير الذي حدث و هذا الإعتراف لا يقصد به أكثر من تمكين الدول التي يصدر منها القرار من الإستمرار في علاقاتها مع الدول التي تغيرت حكومتها والدول التي ترفض الإعتراف فهو لا يؤثر في شخصيتها الدولية ولا في عضويتها في الأمم المتحدة إذ أن التغييرات الداخلية لا شأن لها بمركز الدول الخارجي .
من أجل الإعتراف بالحكومة الجديدة يكفي أنها تثبت أنها تقوم بشؤون الحكم فعلا داخل الدولة و في مقدورها أو في نيتها أن تفي بالإلتزامات الدولية وليس الدولة التي تزمع الإعتراف أن تعترض إلى شكل الحكومة أو أن تبحث عن كيفية وصولها للحكم و هو المسوغ الرئيس الذي شرعت بموجبه الحركة الإسلامية في قيامها بانقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١م على حكومة الثورة الإنتقالية دون أن تفلح في تحقيق أهدافها وفشلت في إعلان حكومة بعد تحجيمها دوليا و إقليميا من تنسيقية القوى الديموقراطية المدنية “تقدم” حيث جمد الإتحاد الأفريقي عضوية السودان في الإتحاد الإفريقي عقب إجراءات البرهان في ٢٥ أكتوبر ـ تشرين الأول ـ ٢٠٢١م بحل مجلسي السيادة والوزراء وفرض حالة الطوارئ في البلاد وهو ما اعتبره الإتحاد الأفريقي إنقلاب على حكومة جاءت بشرعية ثورية .
و الناظر لحالة السودان عقب إنقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١م يجد أن الإتحاد الأفريقي جمد عضوية السودان كما أسلفت بسبب إجراءات قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الذي حل مجلسي الوزراء والسيادة و فرض حالة الطواريء وهو ما أعتبره الإتحاد إنقلابا على الحكومة التي أكتسبت شرعيتها بثورة ديسمبر حيث أرسل الإتحاد الافريقي وفدا من مجلس السلم الأفريقي طلب من البرهان قائد الجيش السوداني إتخاذ خطوات عملية تستجيب لمتطلبات الإتحاد لرفع التجميد عن عضويته و تشمل العودة إلى الحكم المدني و إستعادة المسار الديمقراطي و وقف إطلاق النار ، و على الصعيد الدولي فقد سبق أن تغيرت الحكومات في فرنسا مرات عدة فتغيرت من ملكية إلى جمهورية ثم إمبراطورية وعادت للملكية مرة ثانية ثم إمبراطورية أخرى ثم جمهورية دون أن يؤثر كل ذلك إطلاقًا على شخصيتها الدولية أو عضويتها في المنابر الدولية .
و في حالات التغييرات في الحكومات و الإعترافات الدولية قد يؤجل ذلك إذا أتضح أن الحكومة الجديدة وصلت السلطة عن طريق الإرهاب أو أنها فرضت على الدولة فرضا نتيجة ضغط أجنبي أو أن المبادئ التي قامت عليها تتعارض مع قواعد الأخلاق والمدنية أو أنها غير جديرة بإحترام تعهداتها الدولية وهذا ما حدث بالنسبة لحكومة روسيا السوفيتية في بدء قيام النظام الشيوعي فقد أمتنعت دول الغرب وقتا طويلا من الإعتراف بها وقررت في إجتماع عقد في مدينة “كان” الفرنسية في شهر يناير سنة ١٩٢٢م للنظر في شؤون أوروبا الإقتصادية ،ووضعت شروطا للحكومة الروسية من أجل الإعتراف بها رسميا وان هذه الشروط تعتبر أساس قيام أية حكومة متمدنة وتتضمن هذه الشروط حماية الملكية الفردية و الإعتراف بالديون و إيجاد نظام يكفل تنفيذ هذه الإلتزامات و إستقرار العملة و التعهد الإمتناع عن الإعتداء على جيرانها من الدول أو دعم المعارضين داخل اراضيها .
الأنموذج اليمني و الصيني في الإعتراف بالحكومة ظل ما لا يقل عن عشرة أعوام فهل الشعب السوداني له القدرة على تحمل خمسة عشر عاما من القتل والتشريد ؟؟
ومن النماذج التي تماثل السودان ومن المشكلات المعاصرة في مجال الإعتراف بالحكومات مشكلة الصين التي بدأت سنة ١٩٤٩م على إثر إنتصار قوات ماو تيستونج الشيوعية على قوات حكومة تشانجكاي شيك الوطنية و الإستيلاء على مقاليد الحكم في الصين و ولجوء القوات المهزومة إلى جزيرة فورموزا وإقامة الحكم فيها بإسم الصين الوطنية وبذلك أصبح في الصين حكومتان في وقت واحد ، الحكومة الجديدة يرأسها ماو تسيتونج وتسيطر على كل أقاليم الصين في آسيا بمساحات واسعة ما يقارب تعداد “٧٠٠” مليون نسمة والحكومة القديمة برئاسة تشانك كلاي شيك وقد إقتصر سلطانها على جيرة فورموزا والجزر الصغيرة المجاورة لها و تعدادها لا يزيد عن “٦” ملايين نسمة وتجمد الوضع على هذا النحو نتيجة مؤازرة الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب لحكومة فورموزا و إحجامها عن الإعتراف بحكومة الصين الشعبية بدعوى أن الموقف لم يصف بعد وهو الموقف الذي وقفته الولايات المتحدة الأمريكية الآن ضد عودة الإسلاميين للسلطة والمطالبة بحكومة مدنية ديمقراطية خالصة، ولما كانت الصين إحدى الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن للأمم المتحدة فقد أثآرت مسألة الإعتراف بوضعها الجديد مشكلة دولية على قدر من الأهمية لتحديد أي من الحكومتين القائمتين أحق بتمثيل الصين في الهيئة الدولية ، فمكان الصين ظل يشغله مناديب الحكومة الجديدة أي حكومة الصين الشعبية وهي أولى بهذا التمثيل لأنها المسيطرة على الإقليم الأصلي وعلى ملايين من الرعايا وقد ظلت هذه المشكلة قائمة في نطاق الأمم المتحدة فترة طويلة نتيجة مؤازرة الولايات المتحدة الأمريكية لحكومة تشانجكاي شيك و وضعها العراقيل في سبيل إتخاذ الهيئة الدولية لقرار يضع الأمور في نصابها ، إلا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة توصلت أخيرا إلى إتخاذ هذا القرار في دورتها السادسة والعشرين من العام ١٩٧١م وبذا وضعت حدا للمشكلة التي استمرت نحو “١٥” سنة .
المجتمع الدولي والإقليمي يمكن أن يقبل الحكومة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع في هذه الحالة فقط؟
_إذا كان في مقدور قوات الدعم السريع الايفاء بإلتزامها الدولي والإقليمي ممثلا في إتفاق جدا 2023م وفتح الممرات الإنسانية.
الايفاء بالإلتزمات التي وقعت في جنيف وذلك من خلال الدعوة التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر مبعوثها الخاص للسودان توم بيرليو
كذلك قيامه بشؤون الحكم فعلا متمثلا في بسط الأمن والنظام وتحقيق العدالة بجانب إنشاء المحاكم وإصدار العملة والتعهد بالإمتناع عن الإعتداء على دول الجوار وخاصة جمهورية مصر العربية.
وعقب إندلاع حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣م الدموية القائمة بين قوات الدعم السريع و الجيش السوداني و مليشياته الإسلامية و بعد إنقضاء أكثر من عشرون شهرا دون أن يقضي طرفا على الآخر و إن كانت الغلبة تميل لطرف الدعم السريع الذي يستحوذ على مساحات شاسعة تشمل أقاليم دارفور و كردفان بإستثناء حاميتي الفاشر والأبيض فضلا على إستيلاء الحركة الشعبية على مساحات مقدرة من إقليم جبال النوبة بإستثناء مدينتي الدلنج و كادقلي وبعض محافظات الجزء الشرقي من الإقليم و كذلك يسيطر الدعم السريع على إقاليم الخرطوم و الجزيرة إلا من بعض الجيوب وكذلك مساحات من النيل الأزرق والأبيض و سنار و يتبقى للجيش جزء من الإقليم الشرقي و إلإقليم الشمالي بالكامل.
فهذه الصورة الواقعية التي يتنصل منها معسكر دعاة الحرب وحكومة بورتسودان التي شرعت عمليا في تقسيم السودانيين وارضهم من خلال إمتحانات الشهادة السودانية في المناطق تحت سيطرتها وتغيير العملة و القيام ببعض الإتفاقيات دون تفويض شعبي وتعتبر هذه الحرب والمحارق التي ألمت بالسودانين.
فرصة ذهبية للحركة الإسلامية للعودة إلى سدة السلطة وهم الذين جعلوا من الدعم السريع مشكلة للكل.
ماهي شؤون الحكم التي تسعى الحكومة الموازية للقيام به:
شؤون الحكومة و مهام الدولة الرئيسية التي يجب أن تطلع بها الحكومة الموازية تتمثل في تأسيس جيشا وطنيا مهنيا ذو عقيدة واحدة لحماية مصالح الدولة والأفراد وكذلك حفظ الأمن و النظام وتحقيق العدالة و هذا ما فشل فيه طرفا الحرب زهاء العشرين شهرا الماضية إذ أصبح المدنيون هم الذين يدفعون فاتورة الحرب الباهظة قتلا و سحلا و تشريدا سواء كان بسبب طيران الجيش وخاصة في المناطق التي تمثل حاضنة إجتماعية لقوات الدعم السريع أو قذائف الهاون والمسيرات التي تطلقها قوات الدعم السريع في المناطق تحت سيطرة الجيش التي تحصد أرواح و ممتلكات المدنيين العزل فضلا عن حالات النهب والسلب والقتل على الهوية في مناطق سيطرة الطرفين ، كذلك من أوجب واجبات الحكومة هي تنظيم القضاء وإنشاء المحاكم والقيام بممارسة إختصاصات السيادة لا سيما الخارجية منها وهو تقوم به حكومة الأمر الواقع في بورتسودان وكذلك إصدار العملة بجانب تقديم الخدمات التعليمية والثقافية والرعاية الصحية خدمات المياه والكهرباء والبنى التحتية والذي يصعب قيام طرفي الحرب بها دون التوصل لاتفاق سياسي ينهي معاناة الملايين من السودانيين فتكوين الحكومة الموازية هو الضمانة الوحيدة ضد الفوضى والحرب الأهلية التي باتت وشيكة.



