بدون زعل! امرأةٌ من كمبو كديس”، أو:- حين تزِلُ قدمُكَ، فتسقطُ فى بئر سحيق.
عبدالحفيظ مريود

زميلنا الدكتور يحى حمّاد فضل الله، الكاتبُ الصّحفىّ، معدُّ البرامج فى قناة النّيل الأزرق، تلفزيون السّودان، الحاصل على شهادة الدّكتوراة فى علم الاجتماع من جامعة النّيلين، الشّاعر الغنائىّ الطّروب، والرّوائىّ “زواج زقندى”. اقتادته الاستخباراتُ العسكريّة فى السّامراب، حيث يسكنُ. تمَّ تعذيبُه، ولأنّه يعانى من السّكّر ومشاكل فى القلب، فقد تدهورتْ حالتُه الصّحيّة. نقلوه إلى مستشفى النّو، بأمدرمان، لكنّه فارق الحياة. حدث ذلك قبل أكثر من أسبوع.
لم تنعهِ نقابة الصّحفيين. لا إتّحاد الصّحفيين. لا زملاؤه فى تلفزيون السّودان، أو النّيل الأزرق. بالطّبع لن ينعيَه وزير الثقافة والإعلام، فى حكومة الأمر الواقع فى بورتسودان، خالد الإعيسر. لن تفعل ذلك قيادة الجيش. لن يفعل اتّحادُ الكتّاب السُّودانيين.
شايف كيف؟
الدّكتور يحى حمّاد فضل الله، تهمتُه “التعاون مع الدّعم السّريع”، وهو رجلٌ ستينىٌّ، لا تساعدُه ظروفه على مغادرة السّامراب – مثل الملايين من السُّودانيين – إلى “مناطق سيطرة الجيش”، حين دخلها الدّعم السّريع. التّهمةُ الرّائجة (لماذا لم تغادر حين دخل الدّعم السّريع؟).
لكنَّ السّؤال الجوهرىَّ : لماذا لم تثبتْ حين دخل الدّعم السّريع؟ لا يمكنكَ أنْ توجّهه إلى عسكرىّ. مع أنّه الأليق، الأنقذ، الأكثر جوهريّةً من سؤالهم. مع أنَّ الإجابة هى أنّهم – أى الجيش، الأجهزة النّظاميّة، ومليشيات المنافقين – بحسب الوقائع – كانوا يجوسون خلال الدّيار، مصر، تركيّا، قطر، إيران، الجزائر، وأخيراً إرتيريا، للحصول على السّلاح. وحين وضحَ أنَّ السّلاح يحتاجُ إلى رجال، لأنَّ (الحديد وحيدا، ما بداوِس)، كما يقول الأشاوس، وجدوا ضالتهم فى التغراى، المعارضين لنّظام أديس أبابا، وكتائب من الجيش الإرتيرىّ، يصنعون بها مجداً.
شايف كيف؟
لم تدُرْ معاركُ فى “الدّندر”، “السّوكى”، “سنجة”، ولا حتّى “مدنى”. كانتْ قواتُ الدّعم السّريع تنسحب. حسناً. تقديراتٍ ميدانيّة، مزاج، “انعصرتْ”…الخ. تدخلُ مليشيات الجيش والإسلاميين، فتقوم بالانتقام من المواطنين العزّل. انتهاكاتٌ ضخمة حدثتْ فى الدّندر وسنجة، وثّقها الصّحفىُّ النّابه أحمد يوسف التّاى، وما يزالُ يدفع ثمنها معتقلاً فى سجون الاستخبارات وجهاز الأمن.
علّق أتيم سايمون، المثقّف والصّحفىُّ الجنوبسودانىّ المميّز، على انتهاكات الجيش فى الجزيرة، بأنَّ من حقّ السُّودانيين الشماليين أنْ “يستغربوا”. ذلك أنّهم لا يعرفون “جيشهم”. وذلك صحيحٌ، بالطّبع.
يعرفُ الجنوبيّون – أكثر من أىّ آخر – ماذا يفعلُ الجيش السُّودانىّ بالمدنيين، المواطنيين، فى مناطق الحروب، أو (مناطق التمرّد)، كما جرتْ تسميّتها منذ أنْ رحل الإنجليز. هل جاءتِ الفرصةُ ليعرفَ بقيّةُ السُّودانيين “جيشهم”؟ أو مليشيات الإسلاميين، التى تُسمّى بالجيش؟
ليس من سمعَ، كمِنْ رأى.
شايف؟
على مرّ الحكومات الوطنيّة المتعاقبة، ظلّتْ وضعيّة “الكنابى” لا مفكّراً فيها. مع أنّها وضعيّة غير إنسانيّة، جبانة، وموغلة فى العسف. طبيعيّة من حيث تقف. أنْ تخرجَ من بطن أمّك فتجد أنَّ هناك أناساً لا يملكون أنْ ينعموا بالمواطنة الحقّة. يقومون بما هو ضرورىٌّ لتستمتعَ بحياتكَ. لن يجترئ أحدٌ ما، على تغيير ذلك. يمكنها أنْ تشكّلَ ألهاماً أدبيّاً كحقلٍ بكرٍ لم يقربه الأدباء. ربّما يستنكفون عن تناوله. يغامرُ أديبٌ ما، فيحقّقَ به التميّز. لكنْ يجب ألّا يتعدّى وضعها ذلك. يمكنُها – فى سياق النّفخة المتساميّة للأسياد – أنْ تحضرَ فى معرض أنَّ (الجزيرة ظلّتْ “متسامحة” إلى درجة أنّها قبلتْ كلَّ الأعراق والقبائل، واستضافتهم). كأنّما عليها ألّا تفعل. كأنّها يجبُ أنْ تكون مغلقة على (سكّانها الأصليين). الشيئ الذى سيقودُكَ إلى : أىُّ مقدار من الأصالة، مقصود ههنا؟
شايف كيف؟
تنفضحُ الأخلاق. يبينُ “الكوك” فى المخاضة.
إمّا أنْ تكون أخلاقيّاً، أو غير أخلاقىّ. إذْ لا يوجدُ نصفُ حَملٍ. إمّا أنَّ المرأة حامل، أو غير حامل. حسناً؟
تصدعُ الآلة الإعلاميّة للإسلاميين وميليشياتهم، بقيادة البرهان، رؤوس العالم بأنَّ الدّين – الذى هو الأخلاق فى قمّة تجليّها – بأنَّ الدّعم السّريع فعل وفعل وفعل. نسلّمُ ، جدلاً، أنَّ شيئاً من ذلك حدث. ثمّة الكثير – بالطّبع – حدث. لكنّه لم يرقَ، قطُّ، إلى مرحلة ذبح الإنسان، بقر أحشائه، إلقائه من على الجسر فى النيل، حرق القرى والكنابى بمن فيها، جزَّ الرؤوس الآدميّة، وتصوير ذلك توثيقاً للإنتصار الكبير على الدّعم السّريع. ما الذى يقترحه البلابسةُ ههنا؟ على فرض لا-إنسانيّة الدّعم السّريع، تهتُّكه الأخلاقىّ، فأىّ بديلٍ يطرحه الجماعة؟
داعش؟ بوكو حرام؟ الشّباب الصّومالىّ؟
شايف كيف؟
قلتُ كثيراً، فى مقالات سابقة، إنَّ أغلب السّودانيين – للأسف – لم يفهموا هذه الحرب. لم يستوعبوا الحتميّة التأريخيّة. وبالتّالى لن يكون فى مُكنتِهم تجاوزها. فالصّراع اجتماعىٌّ من الدّرجة الأولى، يتمظهرُ سياسيّاً. قد ينقمع مرةً، مرتين، فأكثر. قد تخذلُ المستضعفين فيه الوسائل، الدّربة، وضع الاستراتيجيات، وغير ذلك. لكنّه – فى نهاية المطاف – سينحسمُ لصالحهم.
قد يستقوى طرفٌ ما بجهاز الدّولة، مسخّراً مدّخرات ومكتسبات الجميع، ليبقى متسلطناً على رقاب النّاس. لكنَّ الطّاغوت لن يهديَكَ إلّا إلى مزيدٍ من الظّلام.



