مقالات واراء

إسكات النقاش السياسي: حين تتحول العنصرية إلى أداة دفاعية لمسار دارفور

عمار نجم الدين

في المشهد السوداني المأزوم، تبرز إشكالية خطيرة تتمثل في محاولات بعض التنظيمات السياسية المحسوبة على “مسار دارفور” تحويل النقاشات السياسية إلى سجالاتٍ عرقيةٍ وقبلية. هذه التنظيمات، التي تُفترض أن يكون دورها حماية الإقليم والدفاع عن حقوقه حسب ما جاء في جوبا مع المركز اتفاق ( مسار دارفور ) ، انزلقت إلى خطابٍ يهدف إلى إسكات النقد المشروع عبر توظيف ورقة العنصرية بشكلٍ مفرط.

ومع استمرار الحرب في دارفور وتردي الأوضاع الإنسانيةو عدم مقدرتهم عن مواطنيهم و سقوط دارفور ولاية بعد ولاية و أصبح زعماء التنظيمات نازحين في بورتسودان مع النازح الأكبر عبد الفتاح البرهان الذي كان يطلق على نفسه ( رب الفور ) في صراعه ضد مواطني دارفور ، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين موقع هذه التنظيمات من التزامها الأخلاقي والسياسي تجاه الإقليم الذي تدّعي تمثيله و الذي وقعت باسمه ؟
في الوقت الذي تفتقر فيه دارفور إلى أبسط مقومات الأمن بل انه خارج سيطرتهم تماما ، يبدو واضحًا أن حماية الإقليم وأهله يجب أن تكون الأولوية المطلقة لتلك التنظيمات ( مسار دارفور ) .

إذ يعاني الإقليم من حالة حربٍ مستمرة، بينما تزداد معاناة المواطنين في ظل تفاقم الأزمات الإنسانية. إن الالتزام السياسي والأخلاقي لهذه التنظيمات يتطلب توجيه جهودها نحو حماية الإقليم أولًا، قبل الانشغال بقضايا تخص السودان ككل، خاصة أن بقية أقاليم السودان تعتمد على جيشٍ مركزي يرفض حتى الآن دمج قوات الحركات المسلحة التابعة لمسار دارفور في صفوفه و رفض الجيش السوداني الالتزام بما وقع عليه في جوبا تجاه هذه التنظيمات و عندما حدثت الحرب في دارفور سحب قواته و اصبحوا فقط يحمون الحاميات العسكرية فسقطت ولاية تلو الاخرى في الدعم السريع لان الاقليم و مواطنيه ليسوا من ضمن اهتمامات و لا مسؤوليات الجيش المركزي .

إن هذا الرفض يثير تساؤلات جوهرية حول التهميش المستمر لتلك الحركات، ويدفع إلى التساؤل عن طبيعة العلاقة بين المركز والإقليم. فالحركات المسلحة التي نشأت للدفاع عن دارفور تجد نفسها خارج حسابات السلطة المركزية، مما يعزز الفجوة بين الأطراف، ويدفع البعض إلى رفع شعار “جحا أولى بلحم ثوره”، في إشارةٍ إلى ضرورة أن توجه هذه التنظيمات طاقاتها نحو حماية دارفور قبل أي التزامات أخرى.

في كل مرة تُثار فيها تساؤلات مشروعة حول أداء هذه التنظيمات أو استراتيجياتها، يُرفع فورًا شعار العنصرية كسلاحٍ لإخماد النقاش. لكن هذا الاستخدام المفرط والمجاني لاتهامات العنصرية جعلها تفقد قيمتها الأخلاقية والإنسانية. لقد أصبحت هذه الاتهامات أشبه ببالوناتٍ فارغة، ممتلئة بالهواء، لا تخيف ولا تهدد، لأنها تُستخدم في غير موضعها الحقيقي.

إن استغلال خطاب العنصرية بهذه الطريقة يُفرغ المصطلح من معانيه السامية التي تهدف إلى التصدي للتمييز والإقصاء الحقيقي. بدلًا من ذلك، يُحوّل هذا الخطاب إلى أداةٍ سياسية لتبرير الفشل أو الهروب من المحاسبة. ومع مرور الوقت، يصبح هذا النهج غير فعالٍ، حيث يدرك المواطنون أن الهدف ليس الدفاع عن قضايا عادلة، بل حماية مصالح ضيقة وأجندات شخصية و بيوت هذه التنظيمات و تحولت التنظيمات الى تنظيمات أسرية اشبه بحزب الامة و الاتحادي الديمقراطي .

فإن المسؤولية الأولى والأهم لهذه التنظيمات يجب أن تكون حماية المواطنين، وبناء منظومةٍ أمنية تُمكّن الإقليم من الخروج من حالة الحرب إلى حالة الاستقرار.
إن تركيز هذه الحركات على المناورات السياسية والتحالفات المشبوهة، بدلًا من بناء استراتيجياتٍ لحماية المدنيين، يكشف عن قصورٍ عميق في فهم أولويات المرحلة. فبدلًا من أن تكون هذه التنظيمات حائط صدٍ يحمي أهل دارفور، انشغلت بالدفاع عن مصالحها السياسية بشروط حكومة المركز بقيادة البرهان و العطا الذي طلب من هذه التنظيمات ان ان تشارك في المعركة او تذهب إلى تشاد مسقط راس قيادتها في خطاب عنصري تتجاوزه الحركات لتصف الآخرين بانهم عنصريين ، وأهملت مسؤولياتها تجاه الإقليم.

أحد أكثر القضايا إثارةً للجدل في المشهد الحالي هو رفض الجيش السوداني دمج قوات الحركات المسلحة التابعة لمسار دارفور في صفوفه طيلة اربعة سنوات هذا الرفض يعكس استمرار عقلية المركز في التعامل مع الأطراف ككياناتٍ هامشية، وليس كجزءٍ متكاملٍ من الدولة. وهو ما يعيد إنتاج أزمات الإقصاء والتهميش التي أدت في الأساس إلى اندلاع النزاعات في دارفور.
هذا الرفض لا يعفي الحركات من مسؤوليتها عن حماية الإقليم. بل إنه يعزز أهمية أن تكون الحركات المسلحة في خدمة أهل دارفور، بدلًا من انتظار دمجها في مؤسسةٍ مركزية تتنكر لحقوقها. إن السعي إلى حماية أهل الإقليم هو التزامٌ أخلاقي وسياسي لا يحتمل التأجيل أو المساومة.

نحو تفكيك الخطاب القبلي وبناء مشروعٍ وطني
إن استنزاف ورقة العنصرية واستغلال القبيلة كأداةٍ سياسية لا يُقدّم حلولًا حقيقية للأزمات التي تعصف بدارفور والسودان ككل. بل على العكس، يُساهم هذا الخطاب في تعميق الانقسامات وإضعاف أي فرصة لبناء مشروعٍ وطني جامع.
من هنا، فإن المطلوب ليس فقط فضح هذا الخطاب واستنكاره، بل العمل على بناء وعيٍ جماعي يُركّز على القضايا الحقيقية التي تهم المواطن. يجب أن تتجه الجهود نحو محاسبة القيادات الفاشلة، وتفكيك الخطاب القبلي الذي يُستخدم كغطاءٍ للفساد والتحالفات المثيرة للجدل.

إن حماية دارفور وأهلها ليست مجرد شعاراتٍ تُرفع في المناسبات، بل هي واجبٌ يستدعي التزامًا حقيقيًا من التنظيمات السياسية التي تدّعي تمثيل الإقليم. هذه التنظيمات مطالبةٌ بإعادة ترتيب أولوياتها، وتوجيه طاقاتها نحو حماية الإقليم وأهله، بدلًا من الانشغال بخطاباتٍ جوفاء أو اتهاماتٍ بالعنصرية لا تخدم أحدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى