
الطابور الخامس ( Fifth column) مصطلح متداول في أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية نشأ أثناء الحرب الأهلية الأسبانية التي نشبت عام 1936 واستمرت ثلاث سنوات وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال إميليو مولا أحد قادة القوات الوطنية الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير من الثوار فقال حينها إن هناك طابورًا خامسًا يعمل مع الوطنيين لجيش الجنرال فرانكو ضد الحكومة التي كانت ذات ميول ماركسية يسارية من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي فرانكو من الشعب، وبعدها ترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكى والراسمالى)…
” سلسلة من مشاهد لجراحات المنطقة المؤلمة لحد الفجيعة لجرائم ارتكبت بحق الإنسانية بما يمكن وصفها بجرائم الابادة الجماعية وهى ماتجعل مرتكبيها مجرمين حرب يجب ان يخضعوا لمفهوم العدالة الإنتقالية تأسيسا لانتقال يسهم فى بناء دولة تقوم على الحقيقة والمصالحة , وهذا النوع من الجرائم لايمكن ان يسقط بالتقادم لأن آثار الجريمة هنا مستمرة بإستمرار الآجيال … “
فى ليل شاحب من ليالى كادوقلى الحزينة والتى تعكس مايعتريها من اوجاع ومآسي نتيجة تعسف السلطة وعنفها تجاه المواطنين الذين اصبحت تحركاتهم محفوفة بالمخاطر ، وقد حكى لى احد الناجين من الموت بزنازين الإستخبارات العسكرية بالسرف والذي صار فيما بعد مقرا للفرقة (14) مشاة انه كان يخرج فى الصباح برفقة معتقلين ويذهب بهم نحو المنطقة الواقعة شرق خور العفن وتسمى ب(الحدبة) من اجل الإحتطاب وعمل كماين الفحم لبعض الضباط ولكنه فى حقيقة الأمر كان يذهبون بهم لما تعارف عليه وسط المعتقلين ب(الفسحة) اى القتل.
حكى لى (م،ك) عن تلك التفاصيل الحزينة واللحظات الأخيرة للشهداء الذين يتركون وصاياهم لزملاؤهم بالزنازين لعل الصدفة وحدها قد تبعد احدهم عن الموت والمصير المحتوم ،والذي اصبح السمة البارزة لسلوك افراد (الإستيك) وهو اختصار لاسم الإستخبارات حيث وصفهم بإنهم افراد انتزعت من دواخلهم الرحمة وكل القيم الإنسانية لدرجة إنه لم تجرى لهم طيلة إعتقالهم تحريات ويمنعون عنهم الزيارات والزنازين عبارة عن قبو بداخله شبح الموت بالاسلوب الوحشي .
كنت استمع إليه واسترجع شريط من الذكريات الأليمة لمشاهد دموية ظلت عالقة بذهنى الى هذا اليوم وتحديدا فى مطلع التسعينات حيث اكتست سماء كادوقلى الغيوم وتوشحت جبالها بالسواد واصبحت معظم بيوتها عبارة عن سرادق للعزاء والنحيب لفقد عزيز اصبح اسمه مسجلا فى قائمة المصنفين سياسيا لدى الإستخبارات بالطابور الخامس.
فى ذلك المساء خرجت عربة الإعلام من مبانى الإذاعة التى كانت تعرف حينها بإذاعة نداء الجهاد بعد إعلان هيئة علماء السودان عبر فتوى شهيرة بكردفان الجهاد ضد ابناء جبال النوبة / جنوب كردفان والتى اعتبرت قتالهم جهادا بإيدلوجيا الإسلاميين الذين قاموا بتوظيف الدين فى تصفية خصومهم السياسيين تحقيقا لاهدافهم السياسية.
خرجت عربة الإعلام تحث المواطنين للحضور الباكر الى ميدان الحرية بكادوقلى والذي يتوسط المدينة ويجاور منزل المعتمد (الوالى حاليا) ومكاتب جهاز الامن غربا ،حيث ناشد الإعلام من المواطنين على الحضور لمشاهدة جثث الخونة والعملاء والمرتزقة الذين حاولوا زعزعة الامن والإستقرار بالمدينة ، وكان مذيع الإعلام كأنه يقرأ من ورقة قد كتبت له بواسطة احد عناصر الإستخبارات بحيث إن دلالات الكلمات تشير الى ذلك .
الهوية البصرية لشخصية جندى الجيش الشعبي كان قد قد قام بتشكيلها الإعلام حيث رسخت فى أذهاننا وقتذاك صور قاتمة من الوحشية واحيانا انتزعت منها صفة الإنسانية وبالكاد صورة اقرب للمتخيل الشعبي عن (الغول) والبعاتى وذلك بفضل تأثير خطاب الكراهية والتنميط الإجتماعى ضد هذه الشعوب.
احتشد ميدان الحرية عن بكرة ابيه بالمواطنين وطلاب المدارس لهذا الحدث المهم والذي كان محضورا عسكريا وسياسيا من واجهات تنظيمات الإسلاميين المختلفة حيث كانت فى الإتجاه لافتة مكتوب عليها ( الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة ) واخرى يحملها مجموعة كتب عليها (منظمة شباب الوطنى ) وغيرها من الواجهات ، وفى الجانب الآخر اصطف العساكر على إمتداد الشارع من منزل المحافظ محمد الطيب فضل وحتى مقر حكومته وهم يحملون اسلحتهم على وضع الإستعداد .
لحظات ووصل موكب المحافظ الى داخل الميدان برفقة قيادات من الإسلاميين وهم يهتفون…
الله اكبر ،، الله اكبر
لا لدنيا قد عملنا
نحن للدين فداء
فلترق منا الدماء
اوترق منهم الدماء
او ترق كل الدماء
لحظات ودخلت عربة مكشوفة تحمل اربعة من الجثث كانوا قد قتلوا امس ليلا اثناء محاولة دخولهم كادقلى بحسب إفادة الإعلام الحكومى والقي بالجثث على الارض دون مراعا لمشاعر المواطنين او كرامة الميت ، وطلب مسؤولا سياسيا من المواطنين الإقتراب لمشاهدة هؤلاء الخونة والمارقين.
اقتربنا قليلا وابتعدت إنسانيتنا كثيرا
يااااااالهى ، هكذا سمعتها من هو بجانبي ويبدو إنه تعرف على احدهم ثم اردف قائلا
(كاكضوووو) وهى بلغة مجموعة الكاقلو تعنى الدهشة والإستغراب بمعنى (لاحولااا)
تمعنت فى الجثث مليا ثم كم كانت المفاجأة انه نفسه خميس من ابناء قرية كافينا ويعمل خبازا بمخبز بابكر بحى المصانع وكنت قبل ايام قد التقيته حيث ان المخبز على يقع على طريقنا نحو مدرسة كادقلى الاميرية ونمر به يوميا ولايتوانى خميس فى اكرامنا ب(الكجوم)..
قتل خميس نتيجة عنف الدولة تجاه مواطنيها بعد أن اختطفت وظيفتها من قبل جماعة الاخوان المسلمين الذين وظفوها لخدمة مشروعهم السياسي بإستغلال جميع سلطاتها التى اصبحت يدا تبطش بها تلك الجماعة ضد كل خصومها السياسيين.



