
ماذا لو لم تكن القضية الأساسية هي السلاح الكيميائي نفسه، وإنما البنية التي تجعل تجاوز الحدود الأخلاقية والقانونية للعنف ممكنً؟
هذا المقال لا يدخل في جدال على شاكلة: هل تم استخدام الأسلحة الكيميائية في حرب السودان الأخيرة أم لا؟
فالكاتب قد حمل أمتعة قناعته مبكراً حول فرضية مفادها أن بنية الوعي المسيطر للسلطة والمحتكر للعنف الرسمي في دولة ما بعد الاستعمار في السودان، لا تتوارى عن استخدام جميع الأسلحة المحظورة، بما فيها السلاح الكيميائي، وقتما اقتضت الحاجة، في سبيل الحفاظ على الامتيازات المتوارثة من خلال البقاء في السلطة.
إنما يناقش المقال الدوافع البنيوية الفكرية والسياسية والأمنية من وراء دفع منظومة الدولة القديمة لاستخدام الأسلحة الكيميائية.
لأننا، ببساطة، لا ننظر إلى الدولة باعتبارها جهازاً تكنوقراطياً إدارياً ومحايداً فقط، خصوصاً في حالة السودان. إنما هي فاعل أساسي وطرف من أطراف الصراع، منذ تشكّلها في مرحلتي الاستعمار وبعده.
سيتكرر مصطلح الدولة القديمة أو دولة 56 أو دولة ما بعد الاستعمار في هذا المقال والذي نقصد به، البنية التاريخية المركبة التي شكلت الجهاز المركزي للدولة في مراحل تأريخية مختلفة.
لقد ابتدرت الدولة في مرحلة ميلادها الأولى نهجاً مغايرا، عن منهجية الدولة الوطنية ولكي تثبت للجميع ذلك، أظهرت انحيازها الطبقي الصارخ بعد مرور أقل من شهرين على إعلان استقلالها.
وذلك عندما احتج مزارعو النيل الأبيض على مستحقاتهم من محصول القطن، الذين كانوا يعملون في مشروع جودة الزراعي المملوك لشركة عبد المنعم عبد الحافظ الخاصة! إذ تم احتجاز المزارعين في غرفة صغيرة سيئة التهوية في حامية كوستي، ليواجه أكثر من 194 مزارعاً الموت اختناقاً في حادثة مأساوية لا تزال نادرة، لا تماثلها سوى مأساة «الثقب الأسود في كلكتا» التي حدثت في الهند سنة 1756. وعُرفت شعبياً بمأساة «عنبر جودة» التي وقعت في فبراير 1956، كما ظلت مدفونة من وثائق التاريخ المخزي، ولم تجد أسر ضحاياها العدالة إلى يومنا هذا.*
إن لاأخلاقية الحرب وعدم التقييد بالقوانين الدولية قد أصبحت سمة ملازمة لأجهزة الدولة القديمة، وتتكشف لاأخلاقيتها في كل حرب من حروبها المتعددة. ففي 2005، بعد اتفاقية السلام الشامل، عندما أتت لحظة تبادل الأسرى بين الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان والحكومة السودانية آنذاك، لم تكن لحظتها المؤسسة العسكرية محرجة من كونها قامت بتصفية جميع الأسرى. بل ما وثقته حروبها الممنهجة أنها ظلت تتعمد قتل المدنيين وتستخدم سياسة الأرض المحروقة لتهجيرهم من موطنهم الأصل.
إنه من خلال تنقيبنا عن الجذور الفكرية والأمنية الدافعة في لاأخلاقية حروب الدولة واستخدامها للأسلحة المحظورة والمحرمة دولياً، وعدم تقييدها بالقوانين والمواثيق الدولية، برزت لنا بقوة البنية الإقصائية الأحادية القائمة على إلغاء التنوع والاعتراف بالآخر، التي تشكلت على مدى قرنين من الزمان. حيث ظل شبحها المعاصر يحاصر بنية الدولة القديمة أينما حلّت.
والتي يمكن تناولها في ثلاث بُنى أساسية ولدّت ما يمكن تسميته بروح الفجور والانتقام التي تحفز على استخدام أكبر قدر من القوة المميتة، كما أسماها احد دهاقنة المؤسسة العسكرية الاستعمارية، الفريق ياسر العطا.
أولاً: البنية الفكرية
بغض النظر عن تشكّل بنية دولة ما بعد الاستعمار، التي تعتبر امتداد لمشروع الدولة الاستعمارية القائمة على المركزية الطبقية، فإن تغلغل الأيديولوجيا العقائدية التكفيرية عبر بوابة الإخوان المسلمين كان له أثر بالغ في أن يأخذ عنف الدولة الرسمي مساراً شديد الحساسية والخطورة.
فالأفكار التكفيرية التي تنطلق منها جماعات الاخوان المسلمين في السودان قائمة على مبدأ هدر الدم في حالة الاختلاف، بل تذهب في التشريع إلى أبعد من ذلك، حيث تتفنن في وصف قسوة القتل.
فقد استطاعت هذه التيارات الفكرية في العقود الأربعة الأخيرة، بعد إحكام سيطرتها على كامل مؤسسات الدولة، أن تعيد إنتاج شريحة كبيرة من الشعوب السودانية المهمشة. حتى تلوثت ذاكرتهم بذاكرة البنى المهيمنة، اذ قادهم هذا التلوث الفكري إلى أن يصبح جزء منهم يطالب باستخدام الأسلحة المحظورة. حتى وإن كان ذلك ضد وجوده كجماعة، ليعيش كذات منزوعة الموضوع، متشبثة بموضوع آخر، بعيد شكلاً ومضموناً عن ذاتها وموضوعها.
ان المحصلة البنيوية للفكر الأخواني مرتبطة بالوصول إلى الغاية الماورائية، دون النظر إلى الوزائع الأخلاقية في وسائل الوصول. وحتماً يقود اللا وازع هذا إلى استخدام اكثر الأسلحة المحظورة فتكاً.
ثانياً: البنية السياسية
إن فئة الأفندية ذات الوعي المزدوج التي ورثت جهاز الدولة بعد الاستعمار، قد أعدت خطة طبقية محكمة تعمل على ترسيخ السلطة واستنساخها عبر سلسلة من عمليات إعادة الإنتاج التي لا تسمح بتداول السلطة خارج نطاقها الطبقي الاجتماعي. حيث صدرت ما يوحي بالملكية التقليدية في أحقية الوصول إلى مراكز القرار في جهاز الدولة.
كما أن هناك عاملاً أساسياً لعب دوراً مهماً في تشكّل البنية السياسية الدافعة لاستخدام القوة المفرطة، لا يقل أهمية عن نظرائه. وهو ارتباط مفهوم النخبة بالجغرافيا المركزية المهيمنة.
فقد تعودت النخبة الحاكمة على مدى عقود أن تدير معارك حروبها المتعددة في إطار جغرافي تقليدي عُرف تاريخياً بالعصيان والتمرد. إذ لم يكن في خيلاءها الزائف أن تنتقل الحرب يوماً إلى مركز العاصمة الاستعمارية المحصنة بأجهزة العنف والأيديولوجيا.
فلقد كان انتقال الحرب إلى تلك الحصون المنيعة بمثابة صدمة الهلع البالغ، بسبب ما ارتبطت به السلطة من رباط جغرافي مركزي طبقي محكوم بشبكة من علاقات القرابة المتداخلة في السلطة. وقد كان التهديد بفقد الجغرافيا المركزية الثقافية التي على ضوئها تأسست دولة ما بعد الاستعمار في السودان، قد أعاد تعريف الحرب في وعي السلطة من حرب تُدار على الأطراف إلى تهديد مباشر للبنية المركزية ذاتها.
واصبحت الأولوية بالنسبة لها ابعاد الاخطار المتخيلة بأي ثمن بما فيها استخدام الأسلحة المحرمة دولياً.
ثالثاً: البنية الأمنية
إن إحدى أزمات الانتقال الذي حدث بعد الاستقلال السياسي في 1956 تمثلت في الارتباط الأيديولوجي للدولة بحركة القومية العربية، والتي سنرى كيف كان تأثيرها لاحقاً في عقيدة الجيش القتالية.
إن بنية المؤسسة الأمنية في السودان هي امتداد إلى البنية الاستعمارية العسكرية التي تشكلت في الحقب المختلفة، التركية المصرية – البريطانية المصرية.
واللتان كان أحد أهدافهما اصطياد السودانيين للعمل في الجندية، وخصوصاً في فترة محمد علي باشا، حيث كان ذلك جزءاً من أهدافه المعلنة.
وقد أثرت هذه العملية بالطبع على تشكّل المنظومة الأمنية في السودان، التي ارتبطت بعوامل جيوسياسية عدة مكنت نخبا جغرافية وثقافية من الترقي إلى مرتبة الضباط، بينما ظل باقي السودانيين في صفوف الجندية، حيث رسمت هذه العملية شكلاً مورفولوجياً محدداً للجيش.
إن بنية عقيدة الجيوش الاستعمارية قائمة على أساس الإخضاع ومحاربة العصيان والتمرد، من خلال إظهار الانضباط والولاء في المحافظة على المصالح الاستعمارية، وازدراء المواطن والنظر إليه بأنه أقل شأناً. وقد ظلت أزمة الجيش البنيوية تكمن في استمرار العقيدة الاستعمارية في مرحلة ما بعد الاستعمار.
وفي هذه النقطة بالتحديد يتحدث «كوامي نكروما»، أبرز قادة التحرر الوطني الأفريقي، بأن الجيوش في الدولة الوطنية بعد الاستعمار يجب أن تتكون من القوات و«الميليشيات» المناهضة والمقاومة للاستعمار .*
ولكن الانقلاب الذي حدث في الحالة السودانية قد كان كفيلاً في أن يضع مستقبل السودان في مأزق حقيقي.
فإن القوات التي شكلت الجيش الوطني في السودان هي الكتائب والميليشيات المحلية المتحالفة مع القوات الاستعمارية، والتي كان مشهوداً لها بالقسوة والصلف والانكشارية.
بينما ظلت قوات وحركات المقاومة المناهضة للاستعمار خارج المشهد الوطني، الأمر الذي أعاد فيها روح المقاومة لاحقاً، لتظل ثقافياً وجغرافياً رمزاً للمقاومة والعصيان على مدى التاريخ الحديث.
إن الإضافة الرمزية التي حدثت في عقيدة ما حل لاحقاً محل الجيش الوطني هي تأثر قادته بحركة القومية العربية، وجعل قضاياها قضايا مركزية في عقيدة الجيش، والتي تقود إلى النهاية المنشودة، “تحرير القدس”.
وهنا تصبح واقعياً أي محاولة نقد أو مقاومة لهذه البنية السائدة قد تُوصم تلقائياً بالمؤامرة الكبرى التي يتم ربطها مباشرة بدولة إسرائيل.
هذا “الاغتراب السودانوي” (مقصود به هنا طرائق تفكير النخب وتوجهاتها الأيديولوجية البعيدة من قضايا الواقع السوداني، والمرتبطة في الوقت ذاته بقضايا محيط وجغرافيا وواقع مختلف). ان وجود هذا العقل المغترب، كمحتكر للعنف الرسمي في السودان، جعل من نُظم إعدادات وتصورات ذهنية المؤسسة العسكرية المسبقة عن السودانيين، أن تضعهم موضع التربص والاتهام. حيث يعتبر مجرد إمعان النظر إلى القضية الوطنية بمثابة خيانة للمشروع العروبي، ما لم تكن محصلة أهداف تلك المسألة تقود إلى تحرير القدس.
هذا في إطار البنية الكلية المكوِّنة للجيش، اما عقود سيطرة الإسلاميين وقبضتهم الأمنية، فقد أضافت إلى ذلك الاغتراب ما كان ينقصه.
فدخول أيديولوجيا الإخوان المسلمين للمشهد العقيّدي للمؤسسة الأمنية ذات الجذور الاستعمارية الراسخة، قد أضاف بعداً عقائدياً مدجناً بالدين والعرق. الأمر الذي وضع فرص نجاة السودانيين من عنف الدولة الرسمي المشرعَن بالدين والنقاء العرقي أمراً في غاية محدودية الأحتمال، طالما هناك خطاب رسمي ومشرعَن يقدم أكثر وصفات الموت قسوةً. لذلك تصبح الأسلحة الكيميائية ليست هي القضية بذاتها، وإنما تمثل الحد الأقصى لمنظومة ترى في المواطن المختلف هدفاً أمنياً، سوى كان بالأسلحة الكيميائية او بالزبح وبقر البطون.
هوامش :
1/ ستيفاني ف. بيزويك
«الثقب الأسود في كوستي: مقتل معتقلي البقارة على يد شرطة الشايقية في أحد معسكرات الشرطة بكوستي، السودان، 1956
2/ ابكر ادم إسماعيل
ترجمات البان اف
3/ خالد عثمان الكد
الافندية ومفاهيم القومية في السودان



