مقالات واراء

جمعة حراز يكتب: الفيدرالية المالية في ظل الدستور الانتقالي لسنة 2025م …مدخل لإصلاح الحكم المحلي وبناء الدولة السودانية

يشهد السودان اليوم مرحلة مفصلية في تاريخه الدستوري والإداري، تتجاوز مجرد إعادة تشكيل مؤسسات الحكم إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأقاليم، وبين السلطة والموارد. وفي هذا السياق، يبرز الحكم المحلي بوصفه الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني يستهدف بناء دولة حديثة تقوم على اللامركزية الرشيدة، والمشاركة الشعبية، والعدالة في توزيع السلطة والثروة.
وقد جاء الدستور الانتقالي لسنة 2025م، ليؤكد أن الدولة تقوم على تعدد مستويات الحكم، وأن لكل مستوى اختصاصاته وسلطاته وموارده التي ينظمها القانون، وهو مبدأ دستوري يعكس فلسفة اللامركزية السياسية والإدارية والمالية، ويؤسس لعلاقة تكاملية بين مستويات الحكم المختلفة، بعيدًا عن هيمنة المركز أو تهميش الوحدات المحلية. غير أن النصوص الدستورية، مهما بلغت دقتها، تظل عاجزة عن تحقيق غاياتها إذا لم تجد ترجمة عملية في نظام مالي يحقق التوازن بين الاختصاصات والإمكانات.
ومن واقع الخبرة العملية في الإدارة العامة، فإن أزمة الحكم المحلي في السودان لم تكن يومًا أزمة صلاحيات بقدر ما كانت أزمة تمويل. فقد ظلت المحليات تتحمل أعباء الخدمات الأساسية والتنمية المحلية، بينما بقيت مواردها محدودة، أو خاضعة لتحويلات غير مستقرة، الأمر الذي أضعف قدرتها على التخطيط والتنفيذ، وأفقدها استقلالها المالي الذي يمثل أحد أهم مقومات الحكم اللامركزي.
إن الفيدرالية المالية ليست مجرد آلية لتقسيم الإيرادات، وإنما هي عقد دستوري ينظم العلاقة المالية بين مستويات الحكم، ويحقق العدالة الرأسية في توزيع الموارد بين المستوى الاتحادي والإقليمي والمحلي، كما يحقق العدالة الأفقية بين الوحدات المتشابهة، بما يضمن تكافؤ الفرص في تقديم الخدمات العامة، بصرف النظر عن الموقع الجغرافي أو حجم الموارد الطبيعية.
ولذلك، فإن نجاح الدستور الانتقالي لسنة 2025م، لن يقاس بعدد المؤسسات التي ينشئها، وإنما بقدرته على بناء نظام مالي مستدام يمنح الحكم المحلي القدرة على ممارسة اختصاصاته بكفاءة واستقلالية، ويحول المحليات من وحدات إدارية تعتمد على الإعانات إلى مؤسسات تنموية قادرة على تعبئة مواردها، واستثمار إمكاناتها، وقيادة التنمية الاقتصادية والاجتماعية من القاعدة إلى القمة.
إن التجارب المقارنة تؤكد أن الدول التي نجحت في تطبيق الفيدرالية لم تحقق ذلك بتوزيع السلطات وحدها، وإنما بإنشاء منظومة مالية واضحة، تستند إلى قواعد دستورية مستقرة، تمنع تداخل الاختصاصات، وتضمن عدالة توزيع الموارد، وتربط بين المسؤولية والمساءلة. وهذه هي القضية الجوهرية التي ينبغي أن تشكل محور الإصلاح المؤسسي في السودان خلال المرحلة المقبلة.
ومن ثم، فإن إصلاح الفيدرالية المالية ليس مطلبًا قطاعيًا يخص المحليات، بل هو مشروع وطني لإعادة بناء الدولة على أسس الكفاءة والعدالة والاستدامة، بما يحقق التنمية المتوازنة، ويعزز الوحدة الوطنية، ويجعل الحكم المحلي شريكًا حقيقيًا في صناعة الاستقرار والتنمية، لا مجرد منفذ للسياسات الصادرة من المستويات الأعلى

جمعة حراز
20/يوليو 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى