مقالات واراء

بين التشكيك والحقائق: من هو الدكتور خالد أصيل؟

عبدالمنعم شعيب

ظلت الدولة السودانية، منذ الاستقلال، تتعامل مع كل مشروع يدعو إلى التغيير السياسي أو إعادة صياغة العلاقة بين المركز والهامش بعين الريبة والاتهام. فمنذ تمرد الأنانيا في جنوب السودان، مرورًا بالحركات المسلحة المختلفة، وصولًا إلى حرب أبريل 2023، تكررت ذات اللغة السياسية التي تصف الخصوم بالعمالة والارتهان للخارج والارتباط بالأجانب.

هذه العقلية ليست جديدة؛ فقد استخدمت الحكومات المتعاقبة خطاب “الأجنبي” و”المرتزق” لتجريد الخصوم من الشرعية الوطنية، بدلاً من مواجهة جذور الأزمة السودانية المتعلقة بالتهميش والتمييز وفشل إدارة التنوع.

في عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، جرى تصوير قوات الجبهة الوطنية التي دخلت الخرطوم بقيادة العميد محمد نور سعد باعتبارها مجموعات “تشادية” و”غربية” تسعى لغزو السودان. وأعقب ذلك حملات واسعة استهدفت مجموعات سكانية بعينها عبر الاعتقالات والترحيل القسري وحملات “الكشات”، خاصة في أحياء الخرطوم الطرفية مثل مايو والعشش والحاج يوسف.
ولم تتوقف الممارسات عند هذا الحد، بل امتدت إلى التمييز على أساس الملامح واللهجات والانتماءات القبلية، حتى أصبحت نقاط التفتيش وأجهزة الأمن تمارس فرزًا اجتماعيًا بين السودانيين أنفسهم.

واليوم، وبعد إعلان تشكيل حكومة الوحدة والسلام، عاد الخطاب ذاته بصورة أكثر حدّة عبر حملات إعلامية اتهمت بعض الوزراء بأنهم “أجانب” أو “مرتزقة”، ومن بينهم الدكتور خالد أصيل أحمد الذي تم تعيينه وزيرًا للنقل والطرق والجسور.

وقد تداولت منصات إعلامية محسوبة على معسكرات سياسية معادية روايات تزعم أن الدكتور خالد يحمل الجنسية التشادية، مستندة فقط إلى تشابه أسماء بينه وبين السياسي التشادي أصيل أحمد أغبش، رغم عدم وجود أي صلة قرابة أو علاقة مباشرة بين الرجلين.

من هو الدكتور خالد أصيل؟

الدكتور خالد أصيل أحمد هو أحد أبناء مدينة نيالا المعروفين اجتماعيًا ورياضيًا وسياسيًا. وُلد ونشأ في حي السينما بمدينة نيالا، وسط أسرة عريقة ارتبط اسمها بتاريخ المدينة الاجتماعي والاقتصادي لعقود طويلة.

تلقى تعليمه الأساسي والمتوسط والثانوي داخل نيالا، متنقلًا بين مدارسها المعروفة، قبل أن يبرز مبكرًا كلاعب كرة قدم موهوب، حيث قاد فرق المدارس المختلفة، ثم لعب لنادي هلال نيالا مرتديًا الرقم 7، واشتهر بين زملائه بلقب “أبو دقائق” بسبب أهدافه الحاسمة في اللحظات الأخيرة.

وفي أواخر الثمانينات غادر إلى الهند لمواصلة دراسته الجامعية، وهناك حقق مسيرة أكاديمية متميزة، فنال درجة البكالوريوس في الاقتصاد بمرتبة الشرف من جامعة مدراس، ثم الماجستير من جامعة بونا، قبل أن يحصل على الدكتوراه بامتياز.
وخلال سنوات دراسته بالخارج، كان ناشطًا في العمل الطلابي والسياسي، حيث انتُخب رئيسًا لاتحاد الطلاب الأجانب بمدينة بونا، ونائبًا لرئيس اتحاد الطلاب السودانيين بالهند، كما نال جائزة الطالب الأجنبي المميز من رئيس الوزراء الهندي الأسبق أندر كومار كوجرال عام 1996.

بعد ذلك، عمل في سلطنة عمان مديرًا عامًا لإحدى المؤسسات التعليمية، قبل أن يهاجر إلى كندا، حيث واصل نشاطه المهني والأكاديمي في مجالات التخطيط والتنمية المجتمعية وإدارة الكوارث.

مسيرة سياسية طويلة

سياسيًا، يُعد الدكتور خالد من الكوادر المعروفة داخل حزب الأمة القومي، حيث امتدت تجربته السياسية لأكثر من ثلاثة عقود، شغل خلالها مواقع تنظيمية متعددة داخل الحزب وفي مؤسسات المهجر.
كما لعب دورًا بارزًا داخل قوى الحرية والتغيير، وعُرف بدفاعه عن قضايا الديمقراطية والسلام والعدالة، إضافة إلى مساهمته في تأسيس تحالف “تأسيس” ضمن الجهود الرامية لبناء مشروع وطني جديد قائم على المواطنة المتساوية.

ويأتي اختياره وزيرًا للبنية التحتية والنقل والطرق والجسور في إطار هذه المسيرة الطويلة، وليس نتيجة أي صلات خارجية أو انتماءات أجنبية كما تحاول بعض الحملات الترويج له.

أسرة عريقة في نيالا

ينتمي الدكتور خالد إلى أسرة معروفة في مدينة نيالا، فوالده المرحوم الحاج أصيل أحمد محمد كان من كبار تجار المدينة وأحد أبرز رموزها الاجتماعية، واشتهر بالكرم والعمل العام، حتى أصبح منزله المعروف بـ“حوش أصيل” محطة مفتوحة للضيوف والمسافرين وأبناء السودان من مختلف المناطق.

كما عُرفت الأسرة بتاريخ طويل من النشاط الاقتصادي والاجتماعي داخل نيالا ورهيد البردي ومناطق دارفور المختلفة، وهو تاريخ موثق ومعروف لدى أهل المنطقة.

التشكيك في الهوية كسلاح سياسي
إن استهداف الدكتور خالد أصيل عبر التشكيك في هويته الوطنية لا يمكن فصله عن إرث سياسي طويل استخدمت فيه بعض القوى خطاب الهوية والإقصاء كسلاح ضد الخصوم السياسيين.

وعندما تعجز بعض الجهات عن مواجهة السيرة المهنية والسياسية لشخص ما بالحجة والوقائع، فإنها تلجأ غالبًا إلى حملات التشويه الشخصي وإثارة الشكوك حول الأصل والانتماء.

غير أن التاريخ الاجتماعي المعروف، والسيرة الأكاديمية والمهنية الموثقة، والمسيرة السياسية الممتدة للدكتور خالد أصيل، كلها تؤكد أنه واحد من أبناء نيالا والسودان المعروفين، وأن محاولات التشكيك فيه ليست سوى امتداد لخطاب قديم يقوم على الإقصاء وبث الكراهية أكثر من اعتماده على الحقائق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى