لماذا تتهرب النُخب من سؤال علاقة الدين بالدولة، وهل العلمانية ترف سياسي أم ضرورة تاريخية؟ (1)
أنس ادم

مدخل: “تأسيس وبناء دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، قائمة على الحرية، والمساواة، والعدالة غير منحازة لأي هوية ثقافية أو عرقية أو دينية أو جهوية، وتعترف بالتنوع وتعبر عن جميع مكوناتها على قدم المساواة” … ميثاق السودان التأسيسي، الباب الأول – المبادئ العامة، الفقرة (3).
يبرز بين الفينة والأخرى أو على الدوام سؤال علاقة الدين بالدولة في مقدمة القضايا الساخنة والملحة التي سيطرت كلياً على الساحة السياسية السودانية ومنابر الحوار والتفاوض والمنصات الرقمية لأكثر من سبعة عقود من الحروب الطاحنة، سيما عند تناول أو محاولة سبر أغوار طبيعة الصراع في السودان.
لا تقتصر أهمية الحفر في مسألة علاقة الدين بالدولة على مواصلة السجال السياسي، الفكري والمعرفى، أو على كونها القضية المركزية التي تهربت منها النخب السودانية، حاكمة ومعارضة بل لإرتباطها الوثيق بوجودية الدولة في سياق معادلة ما تبقى من سودان ومصير الشعوب السودانية.
فمنذ أن خرج المستعمر في العام 1956 وأوكل مهام إدارة الدولة للنخبة المحلية الإنتهازية – الكمبرادورات (فلنقايات المستعمر)، فقد تبنت أو بالأحرى فرضت العروبة والإسلام كهوية آحادية رسمية للدولة السودانية متجاوزة وضاربة بعرض الحائط السمة المميرة التي تفردت بها الدولة السودانية عن بلدان أخرى في العالم وهى سمة التعدد والتنوع العرقي، والديني والثقافي وحتى البيئي والمناخي.
ويتجلى موقف النُخب السودانية من قضية علاقة الدين بالدولة في الإعلان الرسمي للتوجهات العنصرية الإقصائية والهوية الإسلاموية للدولة السودانية التي أقرها إسماعيل الأزهري في خطابه: (أشعر في هذا المنعطف بأنني مضطر لأعلن أننا نعتز بأصلنا العربي، بعروبتنا وبكوننا مسلمين …الخ)، وبالرغم من إدراك زعيم النخب الإنتهازية أن السودانيين ليسوا مسلمين كلهم كما أنهم ليسوا عرباً إلا أنه تغاضى بتعمد عن تلك الحقائق الأساسية والتاريخية التي لا يمكن أن ينكرها إلا مدلساً للواقع، فقد ألبس الدولة وشاح الإنتماء البسيط والهوية الخاصة بجماعات سودانية محددة وبالمقابل جرد بتلك الخُطوة مكونات غير عربية ولا هي مسلمة من هوياتها الذاتية الأصلية وبالتالي سلب سودانيتها وحتى إنسانيتها، ومن هنا تخلقت أكبر وأعمق أزمات السودان.
عزيزي القارئ، لتعرية مواقف النخب المتواطئة مع الجماعات الظلامية، وللتوطئة للحلقات القادمة التي بالضرورة نتناول فيها العلمانية كأطروحة سياسية وفكرية، وفلسفية أملتها حقائق التاريخ وليست ترفاً سياسياً أو إلحاداً أو أطروحة مضادة للدين كما يزعم أو يصورها معسكر السودان القديم والتيارات الإسلامية، إنما كآخر وصفة علاجية فعالة وناجعة لمعالجة قضية علاقة الدين بالدولة ولطي صفحة الحروب وإنتشال البلاد من الأزمات المستفحلة، دعونا نورد جزءاً من مراحل تبلور فكرة أسلمة الدولة والشعوب إلى أن توج بصناعة دستور إسلامي إنتهى إلى توليد الحروب وتشريد وتنزيح السودانيين وقتل الملايين:
1. نظراً للأدوار المحورية التي يلعبها الإعلام والصحافة في تشكيل الرأي العام وهندسة التوجهات والمواقف أقدمت الجماعات الإسلامية إلى نشر سلسلة مقالات في صحيفة الإخوان المسلمين في العام 1956 بقلم الإسلامي – أحمد صفي الدين بعنوان (معالم الدستور الإسلامي) وذلك لإستجداء عواطف السودانيين وإقناعهم بالقبول بالدستور الإسلامي.
2. قبل إستيلاء إبراهيم عبود على السلطة في العام 1958وفي تحرك يعزز الخطوة السابقة، ويهدف لترجمة وتحقيق مشروع الأسلمة والإستعراب تكونت جبهة الدستور الإسلامي لتقوم بوضع الأهداف العامة للدستور الإسلامي، وكان ذلك بتأييد ومباركة السيدين (علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي).
3. في خطوات عملية دشن إبراهيم عبود إبان حكمه (1958_1964) حملة الأسلمة والإستعراب ضد شعوب جنوب السودان وشعوب أخرى، وهنالك وقائع وشواهد موثقه على سبيل المثال وليس الحصر: (شن الحروبات والإستهدافات الممنهجة على أساس الدين، وملاحقة رجال الدين المسيحي، ومحاصرة برامج وأنشطة الكنائس، وإغلاق المدارس التابعة للكنائس.
4. التواطؤ الإيديولوجي والمصلحي للصادق المهدي مع جبهة الميثاق الإسلامي، أنتج تحالفاً في العام 1966 وكان أبرز أهدافه، التعبئة والدعوة والترويج للدستور الإسلامي.
5. فرض وتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في عهد الرئيس الأسبق – جعفر نميري 1983 (تداعياتها ومآلاتها معلومة وموثقة).
6. الإعلان الرسمي عن الدولة الدينية – دولة التفويض الإلهي في العام 1989 في أعقاب إستيلاء الجبهة الإسلامية على السلطة (حيث الدستور والقوانين الدينية تم بموجبها إبادة وإستباحة دماء الشعوب السودانية في حروب كانت حصيلتها أكثر من (2) مليون قتيل في جنوب السودان فقط، ورفض شعوب الجنوب، الدولة الدينية والوحدة غير العادلة لتعلن إستقلالها في العام 2011.
7. إحياء وتكوين جبهة الدستور الإسلامي مرة أخرى في العام 2011 إستناداً على إعلان رأس الدولة – عمر البشير من مدينة القضارف في العام 2011 بأن السودان دولة عربية إسلامية ولا مجال فيها للدغمسة.
فضلاً عن المعطيات أعلاه، وبسبب إستمرار النخب في نهج الغطرسة وسياسات التهرب من أمهات القضايا كعلاقة الدين بالدولة، وكنتيجة محتمة لإصرار الجماعات الإسلامية على الإبحار عكس تيار واقع التعدد والتنوع، إندلعت ثورات التحرر وإبتدرت الشعوب الكفاح المسلح كوسيلة مشروعة لتحطيم دولة العنف والغلبة الدينية، فإستمرت الحروب الطاحنة وإتسعت دائرتها من توريت في العام 1955 إلى أجزاء واسعة في الجنوب القديم ومن ثم جبال النوبة، والفونج الجديدة، ودارفور، وشرق السودان إلى أن طالت الخرطوم وبورتسودان وعطبرة لتغطي كامل جغرافيا السودان التي بدت عليها ملامح التفكك والتشظي المحتم في حال إستمرار متوالية التهرب من سؤال علاقة الدين بالدولة ورفض النخب المتحالفة مع الإسلاميين مبدأ علمانية الدولة.. حلقات قادمة نكشف فيها حقائق ما وراء سياسية التهرب ورفض العلمانية، كما نسلط الضوء على موقف الشعوب السودانية المضطهدة والمقهورة.
ونواصل،،،


