مقالات واراء

اما حكاية! هيكلة “تأسيس” بالخارج (3–3)

إيهاب مادبو

وإذا كان التشخيص قد أوضح أهمية العمل الخارجي وتحدياته، فإن الخطوة الأهم تظل في الانتقال من مستوى التحليل إلى مستوى الفعل. فنجاح تحالف “تأسيس” في بناء امتداد خارجي مؤثر لن يتحقق بالرهان على الزمن أو المبادرات الفردية، بل عبر قرارات واضحة وإجراءات عملية ومدروسة.

أولى هذه الخطوات تتمثل في الإسراع بإجازة إطار تنظيمي خاص بالعمل الخارجي، يحدد بوضوح هياكل التمثيل، ومستويات القيادة، وطبيعة العلاقة بين المركز والفروع. على أن يكون هذا الإطار مرنًا بما يكفي لاستيعاب خصوصية كل ساحة، وحازمًا بما يكفل وحدة القرار وانسجام الأداء.

ثانيا، ينبغي إطلاق عملية تأسيس منظمة وشفافة في دول المهجر، تبدأ بحصر الكفاءات والفاعلين، ثم الدعوة إلى مؤتمرات قاعدية مفتوحة، تُنتج قياداتها عبر آليات ديمقراطية واضحة. فشرعية المؤسسات لا تستمد من التعيين، بل من المشاركة الواسعة والقبول العام.

ثالثًا، من الضروري إنشاء منصات اتصال رسمية وفعالة، تُنهي حالة الارتباك المعلوماتي، وتوفر خطابا موحدا يعكس رؤية التحالف ومواقفه. فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضا في الفضاء الإعلامي، حيث تلعب المعلومة دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام.

رابعا، يجب الاستثمار في بناء شراكات ذكية مع الفاعلين الدوليين، من منظمات حقوقية، ومراكز بحثية، ودوائر صنع القرار، بما يعزز حضور التحالف ويمنحه القدرة على التأثير. غير أن هذا الانفتاح يجب أن يتم وفق محددات واضحة.

خامسا، لا بد من ترسيخ ثقافة تنظيمية جديدة داخل مؤسسات الخارج، تقوم على العمل الجماعي، والمحاسبة، والشفافية، وتداول المسؤوليات. فالأزمة في السودان لم تكن يوما أزمة موارد بقدر ما كانت أزمة إدارة وثقافة سياسية، وأي مشروع جديد لا يعالج هذه الجذور محكوم عليه بإعادة إنتاج الفشل.

وأخيرًا، فإن بناء “تأسيس” في الخارج ليس مهمة هامشية أو مؤجلة، بل هو جزء لا يتجزأ من معركة إعادة بناء الدولة السودانية نفسها. فكل تأخير في هذا المسار لا يعني فقط فقدان الوقت، بل يفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ وتوجيهه في اتجاهات قد لا تخدم المشروع الوطني.

إن اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من تحديات، تتيح أيضا فرصة نادرة لإعادة التأسيس على أسس مختلفة. والسؤال لم يعد: هل يمكن بناء تنظيم خارجي فاعل؟ بل: هل يمتلك التحالف الإرادة السياسية لاتخاذ الخطوات اللازمة الآن، قبل أن يفقد هذه الفرصة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى