النور احمد ناير يكتب: التراث بين مطرقة الهوية وسندان العنصرية

في خيوط الزمن المنسوجة من ذاكرة الشعوب، يلمع التراث كخيطٍ ذهبي يربط الحاضر بالماضي، ويمنح المجتمعات جذورًا راسخة في الأرض، وهويةً تعانق السماء. لا يُمكن أن نُعرِّف شعبًا دون أن نُعرِّج على رقصاته وأغانيه وحِكَم أجداده، كما لا يمكن أن نتذوّق طعم الانتماءات دون أن نغمس أقدامنا في ماء ذاكرة الآباء والأجداد، فالتراث ليس مجرد فنٍّ استعراضي يُؤدى على المسارح أو المناسبات العامة ولعب في (المدى)، بل هو “أنا” الجمعي الذي نحمله معنا في غربتنا، وصوت النداء الذي نعود به إلى ذواتنا في لحظات التيه.
في السودان، مثلاً، يظهر التراث في المردوم الذي تراقصت عليه أجيال غرب البلاد والكرنق في الجنوب ، وفي الطنبور الذي تغنّى به أهل الشمال لأحزانهم وأفراحهم، وفي الرقصات التي تؤدى في حضرة الزغاوة، وفي “أم ردوس” و”الجار” ”والجفال” التي تسكن وجدان قبائل عرب غرب السودان، كأنها نبض القلب في الجسد الكبير. هذا التنوع لا يُنقِص من الهوية، بل يُغنيها ويمنحها فسيفساء مدهشة من المعاني والانتماءات، وهو الأمر الذي جعل الروابط الطلابية في الجامعات والمعاهد العليا تُخصص لها يوم خاص في ساحات الجامعات وقاعاتها.
لكنّ المشهد في تشاد – وخاصة في التخاريج الجامعية– والتي هي فرصة وسانحة ليعبر فيها الجماعة عن تنوعهم وعاداتهم وتقاليدهم، يبدو الأمر محكوماً بحذرٍ غريب تجاه التراث، حيث يُنظر إلى من يرقص رقصة قَبيلته أو ينشد أغنياتها على أنه ينفخ في رماد القبلية والعنصرية. يتردد هذا الهمس حتى يصبح ضجيجًا: “لماذا يرقص؟ أليس هذا فعلًا يُثير الفُرقة والعنصرية؟”. كأنّ الاحتفاء بالهوية بات تهمة، أو كأنّ التراث صار قنبلة موقوتة بدلاً من أن يكون جسرًا للتواصل والتفاهم، حتى أدّى لحرمان الرقص بالتراث.
المفارقة المحزنة أنّ هذا الخوف من التراث لا ينبع من التراث ذاته، بل من قراءاتٍ سلبية تراكمت في بيئة مضطربة، حيث تم اختزال كل تعبيرٍ ثقافي إلى انتماء سياسي أو إثني، ونسينا أن ما نراه اليوم من فنون شعوب العالم – من السامبا في البرازيل إلى الفلامنكو في إسبانيا – ما هو إلا تراثٌ قبلي، تحوّل بفعل الاعتراف والاحتضان إلى رموز وطنية.
إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في أن يرقص شابٌّ من الزغاوة رقصة “البري بور”، أو أن يُغني آخر من القور رقصة “الدنقا”، أو أن يرقص آخر (ام دروس) بل في أن نكتم هذا التنوع خوفًا من أن يُساء فهمه. فالتراث حين يُهمّش، يصبح هشيمًا قابلاً للاشتعال؛ لكنه حين يُعترف به، يتحوّل إلى مظلةٍ وطنية تتسع للجميع.
ما نحتاج إليه اليوم ليس تكميم صوت التراث على مستوى التخاريج أو غيره ، بل تهذيبه وإعادة تأطيره داخل مشروع وطني جامع كـ(مهرجان داري Festival DARY الذي بزغ نجمه كأمل لإحياء ذاكرة التراث في تشاد)، يعترف بتعدد الهويات دون أن يفزع منها، ويفهم أن من يرقص لجدّه لا يهدّد وطنه، بل يُعلن حبه له بطريقته.
فليكن التراث مطرقة نطرق بها أبواب الذاكرة لا رؤوس الاختلاف، وسندانًا نطرق عليه معاني الوحدة لا الانقسام. ولْنرقص جميعًا، لا احتفالاً بالقبيلة، بل بالفكرة التي تقول: نحن هنا، وماضينا ليس عبئًا بل أساسًا نبتكر منه مستقبلنا.


