
في زاوية مظلمة من حكايات السودان المؤلمة ، حيث يثقل الصمت وتضيق الأرض بما فيها، وقفت أمٌ أمام قبر صغيرها، الذي مزقت جسده مسيرات الجيش المؤدلج بعقيدة الكيزان.
وقفت هذه “الأم” وكأنها تقف أمام عمر كامل انطفأ فجأة، ولم يكن التراب الذي أمامها مجرد حفرة، بل كان نهاية حكاية كانت تظنها حينما”تلوليها” وتغني لها بأنها ستطول، بلا وجع او خوف لايعرف النهاية.
انهمرت دموعها عند قبر طفلها بلا توقف، كأنها تحاول أن تغسل بها هذا الواقع القاسي، أو أن تعيد به طفلها الذي اختطفته تلك المسيرات وهو علي فراش المرض يستجدي العافية بمستشفي الضعين.
لم تكن تبكيه وحده، بل كانت تبكي نفسها التي لم تعد كما كانت، تبكي قلبا انكسر ولم يجبر، وروحا فقدت معناها منذ رحيله الذي تحول جسمه الي أشلاء بين الأنقاض.
كانت هذه الأم تحدق في القبر طويلا، تحدق كما لو أنها تنتظر أن يتحرك، او أن يهتز، أن يعيد لها صوتا كانت تعيش عليه حينما “تلوليه” وهي تسمع كلمة “يممممممه”.
ولكن صمت المقابر كان أثقل من الرجاء، وأقسى من الدموع، صمت يخبرها كل لحظة أن ما تنتظره لن يحدث،، ولن يعود كذلك بمرسوم صدر من القاتل البرهان.
وبيدين مرتجفتين، وضعت فوق قبره ملابس العيد التي اشترتها له بعناية وتخيلته ان يركض بها ضاحكا، يملأ البيت حياة والشارع بهجة، ولكنها عوضاً عن ذلك قامت بوضعها فوق التراب كأنها ترفض الاعتراف بحقيقة الموت.
يالهذا الوجع
ويالهذا الألم
مر العيد ، من غير ان يحمل فرحا، ولا ان يطرق باباً كما كان يفعل، حينما تأتي مواسم الضحكات والمأثورات من قيمنا الإجتماعية والشعبية “عيد الحول مانفقد زول” وعيداً سعيد وبخيت.
ولكنه هذا العام مرّ ثقيلا، بائسا، خاليا من القيم والمعاني الإنسانية، ليفجر في النفس بيوت من البكاء الصامت لفجيعة لن تمحو عارها الكلمات ولا الخطب ولايفشّي غبنها عبارات المجاملة حتي لو تكورت السحب في السماء دموعاً.
ويالوجعتها
همست بصوت مكسور علي قبر طفلها بصوت حزين “سامحنيي ياجنا حشاي”، كلمة خرجت من قلب مثقل بالعجز، لا لأنه أخطأ، بل لأنه لم يستطع أن يمنع الغدر والخسة.
يا لهذه المصيبة
إنها لم تودع طفلها فقط، بل ودعت معها ضحكاتها، أحلامها، وأياما كانت تنتظرها لحظة “تلوليه” وهي تتخطف في الأمنيات
“باكر تكبر تشيل حملي”
دفنت معه في القبر أمومتها التي كانت تنبض به، وتركت جزءا منها تحت ذلك التراب ولن يعود أبدا.
ورجعت مثقلة الخطوات، وهي “تتلفت” ان تسمع صوته، تركت قلبها هناك، عند قبره، وذهبت تحمل في صدرها عيدا لن يأتي، ووجعا سيبقى، لا لأن الزمن لا يمضي، بل لأن بعض الفقد أكبر من أن ينسى.
#مجزرة_مستشفي_الضعين
#الجيش_يقتل_المواطنين
#البرهان_قاتل
#الحركة_الإسلامية_جماعة_إرهابية


