تفكيك الحواضن: استراتيجية الجيش لإطالة أمد الحرب

لطالما تساءلنا، نحن جمع من المثقفين والناشطين والشباب، عن الدور الحقيقي الذي تلعبه المؤسسة العسكرية السودانية، وعلى وجه الخصوص جهاز استخباراتها، في إذكاء الصراعات القبلية المتجددة في دارفور وكردفان. هذان الإقليمان، ومنذ الاستقلال، ظلا مسرحًا لاشتباكات أهلية متكررة، تتصاعد ثم تخبو، لتعود مجددًا بلا أسباب موضوعية أو أهداف واضحة، وكأنها دوامة عبثية لا تنتهي.
تفاقمت هذه النزاعات مع وصول الحركة الإسلامية إلى الحكم في عام 1989، حيث أخذت الحرب طابعًا أكثر ترويعًا، خاصة في دارفور، مع تحوّلها إلى صراع بين ما اصطلح على تسميته بـ”العرب والزرقة”. ومن خلال حواراتنا ومتابعاتنا، تبيّن أن الجيش، عبر أذرعه الاستخباراتية، لعب دورًا محوريًا في إذكاء الفتنة، بزرع الشك والعداء بين القبائل، وتأجيج النزاع بين المزارعين والرعاة، وبين مكونات الريف المتجاورة.
المؤسف أن هناك مكاتب واختصاصات استخباراتية، متمركزة في الفرق والوحدات العسكرية، مهمتها الوحيدة هي إدارة هذا النوع من الحروب القبلية. والهدف الخفي لهذا المشروع هو إبقاء الإقليم في حالة دائمة من التوتر والانشغال الذاتي، لتُترك تنميته وتعزيز دوره الوطني لصالح أقاليم أخرى، غالبًا ما تكون ذات ارتباط عضوي بمركز السلطة.
ومنذ اندلاع النزاع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحولت دارفور وكردفان إلى ساحات لصراع أكثر تعقيدًا وخطورة. لم يعد الأمر مجرد حرب تقليدية بين قوتين، بل امتداد لنمط ممنهج من الفوضى التي تتقن المؤسسة العسكرية إدارتها كلما شعرت بفقدان السيطرة على مفاصل الدولة.
في حين أبدت بعض الأطراف، بما فيها قوات الدعم السريع، استعدادًا للمشاركة في مسار تفاوضي جاد، ظل الجيش يناور ويضع العراقيل أمام أي مبادرة حقيقية لوقف الحرب. وبدلًا من الإصغاء إلى دعوات السلام المحلية والدولية، اختار التصعيد، وبدأ تنفيذ ما يُعرف بـ”حرب الحواضن” — وهي إستراتيجية تقوم على توريط المجتمعات المحلية في النزاع، وتحويله إلى صراع دموي أهلي بين أبناء الإقليم الواحد.
من خلال هذه المقاربة، لم يعد الجيش مجرد طرف في الحرب، بل أصبح أداة صريحة لتفكيك النسيج الاجتماعي، وتغذية الكراهية، وتعميق الشرخ المجتمعي تحت شعارات وطنية زائفة. والأخطر من ذلك، أن تحركاته على الأرض باتت تعكس استخفافًا سافرًا بأرواح المدنيين وبمصير البلاد برمّتها.
وقد لجأ الجيش إلى تشكيل “تنسيقيات قبلية” في مدينة بورتسودان، لتجنيد أبناء دارفور وكردفان، ومعظمهم نازحون أو عسكريون سابقون، وتعبئتهم وفق انتماءاتهم القبلية، ثم دفعهم إلى القتال ضد قوات الدعم السريع. وهي خطة خطيرة، لا تهدف فقط إلى إضفاء الطابع الأهلي على الحرب، بل تسعى أيضًا إلى تفكيك المجتمع نفسه، وتحويل الصراع إلى نزاع دموي مفتوح بين الجيران والأشقاء.
ومن هنا، نُطلق تحذيرًا صريحًا لهذه القبائل: لا تنساقوا وراء خطط الجيش الذي يسعى لتدميركم بأيديكم. فالمعسكرات تُجهز، والتدريب يجري على قدم وساق، والمتحركات تُسير حاملة أبناء نفس الإقليم لقتال بعضهم البعض. وإذا استمرت هذه السياسة، فستتحول مناطقنا إلى ساحات لحروب أهلية لا تبقي ولا تذر، كما حدث سابقًا في الجزيرة، والكنابي، وشرق النيل، وأمبدات، والحلفايا، حيث تم استهداف الحواضن الاجتماعية واحدة تلو الأخرى بعد إنهاكها داخليًا.
لقد عمّق هذا النهج العدمي من حجم المأساة، وزاد من وتيرة الانقسامات، وحوّل الإقليم إلى مسرح للانتهاكات والجرائم التي باتت تطال الأبرياء قبل المقاتلين. والصراع لم يعد على من يحكم السودان، بل بات سؤالًا وجوديًا: من يُعتبر جزءًا من هذا الوطن؟ ومن يُستباح دمه باسم الدولة؟
والخلاصة أن الجيش السوداني، الذي كان من المفترض أن يكون حاميًا للوطن، تحول إلى أداة لتمزيقه، بعد أن رفض كل فرص السلام، ومنع وصول الإغاثة، وقصف المدن والقرى، وحرّض القبائل على بعضها البعض.
إذا كان للسودانيين أن يحلموا بمستقبل مختلف، فعليهم أولًا كبح جماح هذه المؤسسة العسكرية، وتعبيد الطريق نحو تسوية سياسية شاملة تقودها إرادة مدنية حقيقية، لا ترتكز على التخوين ولا على أوهام التفوق العسكري. السودان لا يحتاج إلى المزيد من الجنرالات، بل إلى مشروع وطني جامع يُعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة والحرية.
أما الحرب التي يخوضها الجيش اليوم، فهي ليست من أجل الوطن، بل لحماية امتيازات نخبة فقدت شرعيتها، وأعمتها مصالحها عن رؤية الخراب الذي تقود إليه البلاد.


