محازر التطهير العرقي في الخرطوم: إمتداد مشروع قديم وترجمة لواقع مأساوي أليم
إسماعيل هجانة

الوضع في الخرطوم اليوم يعكس مأساة حقيقية للتطهير العرقي، مستنداً على مشروع أيديولوجي قديم يقوده د. حسن مكي، الذي عُرف بدعواته المُعلنة ضد “الحزام الأسود”، في إشارة واضحة إلى مجتمعات غرب السودان النازحة. تلك المجتمعات، التي هُجّرت بسبب الحروب التي أشعلها تنظيم حسن مكي وحكومته ذات التوجهات العنصرية، استقرت في أطراف المدن، مما أثار حقد النخب التقليدية والجماعات الأيديولوجية المرتبطة بالحركة الإسلامية.
هذا المشروع، الذي بدأ كخطاب يتردد في الغرف المغلقة وبين أبناء النخب المستفيدة، وجد طريقه إلى التنفيذ الفعلي عبر العنف العسكري. الآلة المسلحة للحركة الإسلامية، بأجنحتها المختلفة، أخرجت هذا المشروع من نطاق الفكرة إلى أرض الواقع، معتمدة على الحقد المتراكم والتمييز العنصري. الآن، يُستخدم العنف الممنهج للتخلص من تلك المجتمعات المستهدفة تحت ذريعة تنسيق المدينة أو معالجة “التفاوت الاجتماعي”، لكن الحقيقة أن هذه السياسات تحمل في جوهرها نية واضحة للإقصاء العرقي والاجتماعي، اليوم وتحت زرائع جديد وتهم معدة مسبقا بتنفيذ مخطط قديم متجدد تحت (قانون الاوجه الغريبة) و(المتعاونون) و (الداعمون) ارتكاب أبشع المآزر التي تجاوزت رواندا ودارفور مما يفاقم الأوضاع الإنسانية ويعيد البلاد إلى فصول مظلمة من القمع والعنف الموجه.
الوضع في الخرطوم يعكس مأساة عميقة للتطهير العرقي، مستندة إلى مشروع قديم تمارسه نخب عنصرية منذ سنوات، والآن نشهد ترجمته إلى جرائم يومية. ما نراه ليس صراعات مؤقتة أو نزاعات عابرة، بل استهداف منهجي لجماعات بعينها بناءً على هوياتها، معتمدين على خطاب تاريخي أُطلق بلا خجل.
الممارسات التي تُرتكب اليوم ليست جديدة، بل امتداد لجرائم تمت في جنوب كردفان، جبال النوبة، دارفور، والنيل الأزرق، وصولاً إلى الجنوب قبل انفصاله. هذه الجرائم تُرتكب بوحشية تُحطم كل القيم الإنسانية. البيوت تُدمر على ساكنيها، الأحياء تُخلى بالقوة، والأرواح تُزهق بلا شفقة، بينما يتم الاحتفال بهذه الفظائع على أنها “انتصارات” ضمن مشروع طويل الأمد.
هذا الوضع يعتبر انموذجا مثاليا لجرائم ونتهاكات لحقوق الإنسان، و إبادة عرقية منهجية تُنفذ بدم بارد. الجناة يعملون كآلة لا تتوقف، ترتكب الجرائم دون وازع، وسط غياب كامل للعدالة. هذه الجرائم تجاوزت كل الحدود، وأصبحت وصمة في سجل التاريخ السوداني.
استمرار الإفلات من العقاب والسكوت الدولي والمحلي يجعل هذه الجرائم أكثر توحشاً. ما يحدث هو تذكير بأن السكوت أو التجاهل يفتح الباب أمام استمرار هذه الممارسات، مهدداً كل معاني الإنسانية في السودان. علينا أن نواجه هذه الحقائق بشجاعة، وأن نطالب بالعدالة والمساءلة، لأن الصمت لم يعد خياراً.


